مقالات

تأملات في الذكرى 16 للاجتياح الاميركي للعراق

احمد سعداوي

1) إن كان صدّام عميلاً لأميركا، بهذا المعنى الصارخ والمباشر، أو رجلاً وطنياً [بما تعنيه الوطنية بشكلها السطحي العام من عدم خضوع رأس السلطة لإملاءات جهة خارجية] فإنه مما لا شكّ فيه كان في علاقة “تخادم” مع أميركا، منذ توليه السلطة في 1979 وحتى غزوه الكويت في 1990. وبدل أن يبني شرعيته داخلياً، فإنه اعتمد على أهميته أقليمياً ودولياً، وأن هذه الأهمية ستحميه وتحمي كرسي السلطة الذي يجلس عليه.
.
2) كان على صدام ومستشاريه أن يفهموا أن خريطة العالم مقبلة على تغيير جوهري بعد انهيار جدار برلين في 9-11- 1989 وأن توازنات الحرب الباردة ستنتهي، هذه التوازنات التي أبقت نظامه [الذي سحق اليسار الشيوعي] وقبلت بظهور نظام أصولي في إيران بديلاً عن الشاه حليف أميركا [لانه نظام سحق اليسار الشيوعي أيضاً بعد أن تراخى الشاه في اتمام هذه المهمّةـ ولنتذكر لحظة مصدّق اليسارية]، وانتجت الحرب الجهادية في افغانستان [لسحق اليسار والشيوعية هناك].
لقد دخلنا العقد الأخير من الألفية الثانية والعالم الاسلامي والعربي بلا يسار يُخشى منه على المصالح الاميركية، بعد أن صار مستنقعاً للأصوليات الدينية من كل شكلٍ ولون.
لا يعني هذا طبعاً أن اليسار ملائكة، وإنما كيف أن المصالح الدولية والصراعات بين القوى العظمى قد حدّدت مصائرنا في هذه المنطقة من العالم، وما زالت تحدّد للأسف.
.
3)لا شكّ أن غالبية من العراقيين تعاملوا مع إسقاط نظام صدام على أنه تحرير لهم من نير الاستبداد، وأيضاً نهاية لعزلة العراق الدولية والأمل بعودة الحياة الى طبيعتها ما قبل عام 1990. إلا أن الوصف القانوني للحدث حدّده قرار مجلس الأمن 1483، الذي اعتمد في 22 مايو 2003 ووصف وجود الاميركان والبريطانيين والقوى المتحالفة معها بأنها قوّة احتلال.
ولكن أميركا أخلّت بالتزاماتها الدولية كقوة احتلال حين انسحبت من العراق وتركته يواجه مشاكل أمنية متفاقمة لم تستطع الطبقة السياسية المهلهلة من التعامل معها، انتهت باحتلال داعش لثلث البلاد.
.
4) مشكلتنا مع إميركا بأنها تذهب باتجاه مصالحها دائماً، وهي غاطسة في عنفوان أنها أقوى دولة في العالم، وتنظر الى الآخرين من هذا المنظور، لذا يمكن أن تغيّر حلفاءها في أية لحظة، ويمكن أن تبيع هذا البلد أو ذاك الزعيم السياسي، حسب تحريك قطع الشطرنج مع القوى العظمى الأخرى في العالم، مثل روسيا والصين. لذلك فإن الاتكاء التام على أميركا لا يمثل حلاً، لقد اتكأ صدام عليها قبل ذلك، والكثير من قادة المعسكر “الراسمالي” في دول الجنوب، أو دول العالم الثالث، خلال الحرب الباردة.
كما إن العداء لاميركا والعمل ضد مصالحها لا يمثّل حلاً، بل بوّابة لمشاكل وكوارث. الحل يكمن في النقطة التالية.
.
5) مشكلتنا مع صدام ومع الطبقة السياسية العراقية الحالية.. أنهم لا يريدون بناء قاعدة شرعية داخلية. لقد آمن صدّام أن الجموع المليونية الهاتفة بإسمه تمنحه شرعية فعلية، كما أن أصوات صناديق الاقتراع ترسّخ عند ساسة ما بعد صدام هذا الوهم أيضاً حتى لو كانت أصوات 20 % من الناخبين. وليس بإن هذا النظام وهذه الدولة تخدم المواطن فعلاً. ليس بسياسة الابتزاز كزيادة المرتبات وتوزيع قطع أراضٍ وما الى ذلك، وانما ببناء دولة محترمة، يأتي احترامها من إحترام الانسان نفسه، أياً كانت خلفيته وتوجّهه وانتماؤه.
إن وضع المصلحة العراقية أمام العين، باعتبارها مجموع مصالح الأفراد، لا مصالح تجريدية خطابية ايديولوجية، هو ما يعزز شرعية النظام السياسي، وهو ما ينظم علاقة هذا البلد المنهك المتعب الجريح مع العالم وقواه العظمى وغير العظمى، وهو ما يجعل هذا النظام صعب الإزاحة، إن قرّرت مخططات رقعة شطرنج الصراعات الدولية أن تزيحه مثلاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق