ستوري

الخورأسقف ثابت حبيب ، من رجل دين مسيحي إلى صانع سلام حقيقي

 

إبتسامة تهزم داعش ، وإصرار يعيد الحياة أفضل من قبل

إعداد _ جميل الجميل

صدى القديسة بربارة توشّح بكوكاميلا حاملاً همومها وإشتياقاتها المتواصلة ، إنّه صوت صارخ ، صوت الأمّ لأبنائها ، صوت الطفّل إلى نسمات الهواء ، لقد تغرّبوا جميعهم أهالي بلدة كرمليس ، تغرّبوا ثلاثة أعوام وشهرين ، حاملين معهم ذكريات وكنائس والبيضة التي تنتصف مدخل كرمليش ، ذهبوا إلى عنكاوا يفرشون أرصفتها ليعلّموا الوطن أنّ الوفاء له يحتاج أن تتعذّب كثيرا وأن تضحّي من أجل التمسّك بالوجود ، إنّه صراع طويل وحرب لعينة أضرّت بنا جميعا.

منذ أن دخل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى محافظة نينوى وبعد إحتلاله لسهل نينوى وقضاء الحمدانية ، كان الأب ثابت يخدم ، وقبلها بسنواتٍ عديدات كان يخدم أيضاً ، وقبلها في روما كان يخدم أيضا ، هذا الإنسان الذي تعجز الكلمات عن وصفه وعن تثمين عمله الذي لا يقدّر بثمن.

الخورأسقف والأب مارتن يقفان أمام أطلال كنائس الموصل المهدّمة ليسلّطان الضوء عليها

في السادس من آب عام 2014 بعد أن نزح أهالي مدينة كرمليس إلى عنكاوا بدأ الأب ثابت حبيب بحفظ رعيّته ومساعدتها لتعيش بمستوى يليق بحياة الإنسان ، حيث من تلك النقطة عرف المجتمع العراقي من هو الأب ثابت وكيف إستطاع أن يضحّي بوقته كلّه من أجل خدمة النازحين ، إنطلق الأب ثابت ليل نهار ليعمل من أجل أن النازحين جميعا دون التفريق بينهم.

الخوراسقف ثابت حبيب ، من مواليد نينوى 1976 بلدة كرمليس تخرّج من الدراسة الإعدادية في كرمليس عام 1994 ، حصل على شهادة البكالوريوس في علوم الأرض من جامعة الموصل عام 1999 .


الخورأسقف ثابت حبيب يقف مع الصليب شامخين بعد نصب صليب دير القديسة بربارة الذي هدّمه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

بدأت دعوته الكهنوتية منذ شبابه وإلتحق بالمعهد الكهنوتي في بغداد وتخرّج منه عام 2002-2003 ، وبعد ذلك ذهب لإكمال دراسته الكهنوتية والدينية في روما عام 2005 – 2006 ، حصل على بكالوريوس في اللاهوت المسيحي من الجامعة الاوربانية – روما 2008 ، ورسم كاهناً في مدينة كرمليس ، عام 2008 ، حصل على ماجستير في ” علم آباء الكنيسة والأدب المسيحي في الألف الأول من المعهد الأوغسطيني في جامعة اللاتيران في روما عام .

بدأ الخدمة في كرمليس منذ مطلع أيلوم عام 2011 وإستمرّت خدمته حتّى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مدينة كرمليس”.

– الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف

لم يستطع الخورأسقف ثابت حبيب أن يتحمّل رؤية شعبٍ كاملٍ يعيش في تلك اللحظات الصعبة التي لا يتمنّاها أيّ شخص مطلقا ، بدأ بخدمته الراعوية لأبناء سهل نينوى والموصل النازحين في مدينة عنكاوا منذ السابع من آب وحتى عودته إلى مدينته بعد تحريرها من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

الخورأسقف ثابت مع مجموعة أطفال من المسيحيين في مدينة الموصل – الغابات يحتفلون في عيد القيامة المجيد بالمشاركة مع المسلمين

– أستاذاً لمادة اللاهوت والاباء في كلية بابل 

الأب ثابت يبذل جهوداً في خدمة العلم والثقافة والتراث والإنسان ، فهو يعلّم في إختصاصه في كلّية بابل للفلسفة واللاهوت ، ويوازن بين عمله وخدمته وتعليمه بقوّة رهيبة بالرّغم من إنشغالاته الكثيرة إلّا أنّ الوقت عنده مصير حتمي في التعامل مع هذه الحياة .

– العودة إلى مدينة كرمليس

منذ آواخر أكتوبر عام 2016 حينما بدأت عمليات التحرير ، بدأ الخورأسقف ثابت بالنظر من آفاق واسعة ليرى مدينته ، ليرى ذكرياته ، فصار جنديّاً دون أن يحمل درعاً ، حمل صليبه وذهب أوّل الأشخاص إلى كرمليس بعد تحريرها ليستنشق الهواء الذي ربّاه أجدادنا ويتّكئ على مدينته التي لم تشيخ أبداً ، المدينة التي عالجت المرضى وحملت الجرحى على ظهرها وهي مجروحة ، مدينة أبدية.

الخورأسقف ثابت حبيب متطوّعاً في إعمار كنيسة مار أدّي في كرمليس

– كنيسة مار أدّي

تقع كنيسة مار أدّي منتصف كرمليس ، هذه الكنيسة المليئة بأدعية المارّة في الحياة ، التي دقّت ناقوسها ليصحى العالم ، أحرق تنظيم الدولة الإسلامية كنيسة مار أدّي في كرمليس ، حينما رأها الخورأسقف ثابت محترقة بالكامل ، وناقوسها مهدّم ، لقد حزن كثيراً ، رافقتهُ مرّتين إلى الكنيسة ، وكان يخطط كيف سيعيد هذه الكنيسة إلى ما كانت عليه ، لقد فعلها بالضّبط وأعاد الكنيسة إلى ماكانت عليه ، وأفتتحت الكنيسة في السابع من كانون الأول عام 2018 وإبتسم الخورأسقف ثابت إبتسامة أزاحت الحرب والسواد والخراب ، إبتسم بإيمانه ، وصلاته ، ومحبّته ، ومسامحته.

افتتاح كنيسة مار أدّي في كرملس

– دير القديسة بربارة

في النصف الأول من القرن الرابع عشر أفاد العالم ابن عبد الحق أن سكان كرمليس كانوا من المسيحيين. تمثل القديسة بربارة والمشهورة بكل أنحاء الشرق المسيحي، موضوع العديد من التقاليد. كانت القديسة بربارة في كرمليس والتي آمنت بالمسيحية ابنة حاكم المدينة. يضم دير القديسة بربارة .قبر الشهيدة الشابة. قد تكون التلة التي بني عليها الدير موقع قصر الحاكم وابنته الشهيدة ، ويقع دير القديسة بربارة 36.30582 شمالا ً 43.41022شرقاً وعلى ارتفاع 293 متر على مدخل مدينة كرمليس المعروفة بسوقها الكبير الذي يذكره العديد من الكتّاب القدامى. تم بناء الدير على واجهة تلة (اصطناعية) أثرية، يفصلها عن المدينة الطريق الواصل بين قره قوش 5كم جنوباّ وبرطلة 10كم شمالاً.

إستطاع الخورأسقف ثابت بجهوده وجهود أبناء كرمليس ومتطوعين فرنسيين أن يعيدوا الدير إلى ما كان عليه قبل داعش ، حيث عبث به تنظيم الدولة الإسلامية ، وحفر ما يقارب خمسة أنفاق في الدير ، وملأ قاعة الصلاة وقبر القديسة بربارة بالتراب وسرق ممتلكات الدير .


الشيخ رامي العبادي والناشط أيمن الاعرجي مع الخورأسقف ثابت حبيب في الموصل في أنشطة مجتمعية حول تعزيز التعايش السلمي

يقول الخور أسقف ثابت حبيب لــ إيزيدي 24 ” إنّ الدافع الى العمل والاعمار هو الايمان بأن هويتنا تستمد حقيقتها من الارض التي تربينا عليها وعاش عليها اباءنا واجدادنا كل التاريخ. انا اؤمن انك بمجرد ان تكون في ارضك فإن كرامتك تكون مصانة. ان العودة تعني لم الشمل وعدم الوقوع فريسة للتشتت.

بادر الخورأسقف ثابت بالعديد من المبادرات المجتمعية التي تبحث عن السلام وتروّج للتعايش السلمي مع المسلمين العرب والشبك والتركمان والأكراد والإيزيديين والكاكائيين ، ليكون جسراً يثبت للآخر بأنّ المحبّة أساس الحياة ، وأساس التطور والإستقرار ، وهذا ما عكسه الأب ثابت من خلال عمله.

ويضيف قائلا ” العمل مع الجميع سهل جدّا ، يكفيك ان تنظر الى الجميع وخاصة المحتاج وترى فيه الانسان بعيدا عن اسمه، والاهم ان ترى فيه صورة المسيح الذي يعلمنا في الانجيل بانه هو يطابق نفسه مع كل محتاج من دون ان يحدد هويته ولونه وعرقه. العمل مع الجميع يعني ان تساعد من هو بحاجة اليك ليكون ضمن محيطه وكرامته الخاصة به.

الخورأسقف ثابت يجلس مع نشطاء من مختلف القوميات في مدينة الموصل في مشاركته في مؤتمر حول التعايش السلمي

وأكّد قائلا ” إنّ العمل في الانشطة المدنية نابع من قناعة راسخة حسبها ان الحياة الانسانية تحتاج الى تكامل ما بين الجانب الروحي والاجتماعي. العمل المدني يعني ترجمة للمبادئ الروحية وقيم الانجيل الى تنعكس واقعيا من خلال كل نشاط ايجابي يبني الانسان والمجتمع.

لا زال الأب ثابت الذي لا تسع الكلمات واللغات أن تصفه ، يساهم في إعادة الحياة إلى مدينة كرمليس ومحافظة نينوى وسهل نينوى من خلال أعماله وإصراره ، بالإضافة إلى أنّه كان له دور في إعمار الدور المحروقة والمهدّمة في مدينة كرمليس حيث أنشأ بمساعدة وجهاء المنطقة لجنة الإعمار بعد تحرير مدينته .

الخورأسقف ثابت حبيب ، أسمرٌ جدّاً ، بحيث أنّ سماره حلوٌ جدّاً ، وله إبتسامة جميلة أوسع من الدبّابات ومخلّفات الحروب والموت ، يعمل ليل نهار ، يتعامل مع الجميع ، إيجابي ومتفائل ، يحبّ الحياة ، يشجّع الجميع ، يقضي وقته بين الخدمة والصلاة ، في كلّ محطة من محطات العمر يترك سنبلة ، سنبلة المحبّة ، مليئة لا تحرّكها الرياح ، لا تزول أبداً.

مشاركة في إحتفاليات دينية في كرمليس مع الأهالي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى