مقالات

هل للشرق الأوسط مستقبل في ظل الفوضى العالمية ؟

أسعد العكيلي

في أخر كتابات المفكر الأميركي “هنري كيسنجر” تعبير عميق عن القلق بشأن مستقبل منطقة الشرق الأوسط وتشبيها لإوضاعها بأوربا في فترة الحروب الدينية التي سبقت عقد معاهدة وستفاليا. ومع غياب الرؤى وخرائط الطريق لمستقبل المنطقة بعد الربيع العربي يأتي كتاب في غاية الاهمية يتناول هذا المستقبل، وبمشاركة من نخبة من المفكرين والباحثين من دول المنطقة وخارجها.
الكتاب صدر تحت عنوان “رياح التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” وهو من إعداد وتحرير/ سيروس روحاني وبهروز ثابت، ونشرته دار الســاقي. ويبدو ن هناك نسخة انكليزية ستصدر على نحو متزامن. يتناول كتاب (رياح التغيير في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، الحالة المعاصرة لدول الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، بكل تجلياتها وأزماتها المعاصرة، لاسيما فيما يتعلق بمستقبل هذه الدول، والتحديات التي تجابهها، والتي تقع في مقدمتها، كالعولمة، والتنمية الشاملة والمستدامة، وأزمة الديمقراطية (التداول السلمي للسلطة)، وقضايا حقوق الإنسان، وإدارة التنوع.
وتأتي الدعوة التي تبناها الفيلسوف الكندي (رامين جهان بيقلو)، إلى الابتعاد عن العنف وتحديات الشرق الأوسط، إذ شهدت منطقة الشرق الأوسط ظاهرة ملازمة من عدم الاستقرار السياسي، لاسيما تحت يافطة الديمقراطية، عبر وسائل عديدة، كالثورات، والانتفاضات، والاحتجاجات، ويرى الكاتب أن العنف لا يمكن أن يؤدي إلى السلام، فالحراك الذي شهدتهُ المنطقة العربية لتغيير بعض نظمها الحاكمة، فشلت في تحقيق الاستقرار السياسي، وتفعيل فرص التنمية الاقتصادية.

ويدعو “سعد سلوم” الخبير العراقي في التنوع الديني والإثني واستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية الى نمط جديد من المواطنة حاضن للتنوع الديني، ويعرج على دور الحوار الديني في إعادة بناء الثقة في مجتمعات الشرق الأوسط التعددية، لا سيما بعد صدمة داعش التي هزت وهددت التنوع في كل من العراق وسوريا. كما يسلط المفكر والأكاديمي القطري (عبد الحميد الأنصاري)، والحاصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر عام (1980)، على ثقافة الانفتاح والعيش المشترك، فهو بذلك يؤكد على أن العالم اليوم بحاجة إلى التقارب بدل التباعد، والتعاون بدل الصراع، وعلى قادة وزعماء الرأي والفكر والطبقة الوسطى، البحث حول أيجاد الحلول المشتركة للتقارب والتعاون، والتغلب على التحديات التي تواجه البشرية، وعليه يدعو المفكر الأنصاري، إلى ضرورة أعادة النظر بالمنظومة الثقافية، التي صاغت السلوك المجتمعي الحالي، عبر تفكيكها وإعادة بنائها، وبما يؤدي إلى غرس ثقافة التسامح والعيش المشترك، والإيمان بحقيقة الاختلاف بوصفها قضية إنسانية وكونية.

وتسلط مقالة الباحث الأمريكي (كريستوفر باك) المتخصص في الدراسات الأمريكية والدينية، تحت عنوان الإسلام دين سلام: مبادئ أسلامية في الحكم الرشيد، الضوء على المبادئ الإسلامية الداعية السلم، والإصلاح السياسي والاقتصادي، التي عهد بها الإمام علي (عليه السلام)، إلى مالك الاشتر، وبذلك يحاول الباحث أيجاد نوع من المقاربة مع المصالح في العلاقات الدولية المعاصرة بين الدول، ويسجل (كريستوفر بيل) ملاحظاته حول النزاعات الطائفية والمذهبية وحدة الاستقطاب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي دلت على افتقارها للقيم والمبادئ التي دعا أليها الدين الإسلامي.

ويقدم لنا (سيروس روحاني) الخبير في مجالي الإدارة والتعليم، مبادئ إرشادية لفن القيادة في القرن الحادي والعشرين،إذ يرى بأن القرن الحادي والعشرين تسوده حالة من الفوضى وصعوبة استشراف المستقبل، بسبب التقلبات السريعة في الظروف الاجتماعية والسياسية، وهنا يبرز دور القيادة في مواجهة بروز هذه التحديات، وبذلك صاغ بعض الاقتراحات العملية التي تساعد القيادة الفاعلة والحكم الرشيد، على انتشال المجتمع من الواقع المزري الذي يمكن أن يؤدي إلى إحباط المجتمع. ويعود (كريستوفر باك) من جديد ليقدم لنا تعريف للمبادئ الاجتماعية في الإسلام، ويعرج على القصور الذي يسجل على بعض علماء المسلمين، في التعريف بالمبادئ الاجتماعية للإسلام الرافضة للعنف، كما ويقدم لنا سبعة نماذج فكرية للإسلام، وهي: الفكر الإسلامي الأصولي، والفكر الإسلامي التقليدي، والفكر الإسلامي التقليدي الجديد، وفكر الحداثة، والفكر العلماني، وفكر ما بعد الحداثة، وفكر ما بعد الإسلام، ويخلص في استدراكه هذا إلى أن الفكر الأصولي الإسلامي أظهر فشله المؤسسي أكثر من غيره في الاستجابة للتطورات الاجتماعية.
ويقودنا (كريستوفر باك)، إلى التعريج على المبدأ الإسلامي الذي يدعوا إلى العدالة، بوصفها أيقونة الأخلاق الإسلامية وميزان للشريعة، ويعرج في أطار ذلك تغلغل الإسلام في الحياة الغربية، ويدحض مقولة الشاعر الانكليزي (روديارد كلينغ): الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ وهيهات أن يلتقيا، وأضحى الصراع بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية في إطاره الضيق

، صراع بين الغرب والإسلام الأصولي، أما الإسلام المعتدل فأن الظروف المعاصرة أتاحت له فرصة ذهبية للوصول إلى مستويات جديدة من الثقافة المتبادلة، قوامها التركيز على القواسم المشتركة والاحترام المتبادل.
ويحاول المفكر الإيراني (بهروز ثابت) تقديم صورة حول واقع التعليم في الشرق الأوسط، إذ يرى بأن التعليم في الشرق الأوسط يخضع لضغوط وتأثير الواقع الاجتماعي، ومن ثم فأنه ليس بمقدور النظم السياسية في دول الشرق الأوسط، تحديث القطاع التعليمي من دون أحداث تأثيرات عميقة وشاملة في النظم الاجتماعية، وما يشهد على ذلك من أفول النمط الاجتماعي والثقافي التقليدي الموروث، وبروز نمط حداثي جديد بدلاً عنه، وهو ما يؤشر تراجع الأصالة مقابل بروز الحداثة.
بينما يعالج أستاذ الفلسفة في جامعة ماريلاند الأمريكية (شهرزاد ثابت)، العولمة والشرق الأوسط: تأملات في ترشيد المفاهيم، فيحدد قضيتين رئيستين، هما: الأولى الاختلاف في تأثير العولمة بين ما هو مادي وما هو روحي، وثانيهما بين ما هو عام وما هو خاص، ويرى بأن الحساسية التي تثيرها العولمة في الشرق الأوسط نتيجة لأفكار وأحكام مسبقة بنيت عليها العولمة، وليس نتيجة لعالم يسعى إلى التعاون وتضافر الجهود من اجل التنسيق حول القضايا العالمية المشتركة التي تهم مجتمعات دول الشرق الأوسط.

وتتحدث أستاذ قانون حقوق الإنسان الدولي في جامعة أكسفورد الدكتورة (نازيلا قانع) عن قضايا حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، إذ تركز على قصور المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في تناولها لحقوق الإنسان، لاسيما قضايا حقوق المرأة على وجه الخصوص، وفشل السياسات والمعالجات العالمية في وضع الحلول الناجعة لإنقاذ المرأة، نتيجة لاتهامها بأنها أفكار أجنبية دخيلة.

ويسلط رئيس منتدى البيئة العالمية (آرثر ليون دال) الضوء على البيئة والاستدامة في الشرق الأوسط، ويتوصل إلى ضرورة وضع خطة اقتصادية من اجل التحول إلى الاقتصاد الأخضر للحفاظ على سلامة البيئة من تلوث المناخ العام، وتحقيق نظام فاعل للأمن الغذائي، من خلال تقوية النظم الحكومية، وإدارة الموارد المائية والزراعية وبما يؤدي إلى التكيف مع الظروف التي يفرضها التغير المناخي، ونجاح النظم الحكومية في هذا الإطار يؤدي إلى إرساء ميادين التنمية الشاملة (الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية)، وأدامتها لضمان مستقبل أفضل لمنطقة الشرق الأوسط.
وأخيراً يقدم أستاذ قسم الاتصالات والسينما في كلية ماك دانييل، الدكتور (ديبورا كلارك فانس)، مقالته حول توظيف التواصل الالكتروني مع المنتدى الجماهيري أثناء “الربيع العربي”، ويرى الكاتب أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها الأثر الأكبر في الانفتاح على المجتمعات الأخرى المتقدمة والتعرف على طبيعة الثقافة السياسية فيها، الأمر الذي قادَ إلى حراك شعبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتغلب على المخاوف التي رافقت شعوب هذه المنطقة من بطش الأنظمة السياسية الحاكمة، وضعف الأخيرة في السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما أن دول العالم المتقدم اليوم سارت باتجاه الحكم الذاتي منذ القرن العشرين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، على الرغم من الثورات المضادة ضدها لكبت التطلعات نحو الديمقراطية.
وعليه أرى أن الكتاب يضم رؤية وقراءة شاملة في البحث في أزمات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ لم تقتصر رؤية الكتاب الذين أسهموا في محاور هذه المقالات على البحث في الأسباب التي قادت إلى الحراك الجماهيري “الربيع العربي” فحسب، وإنما ركزوا على وضع الحلول التي من شأنها أن تؤدي إلى التشخيص السليم للإمراض التي تعاني منها شعوب المنطقة العربية، وهذا ما يجعل منه كتابا يقدم رؤى لا غنى عنها في منطقة حافلة بالتغيير والفوضى وفقدان الاتجاه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق