اخبارستوري

ناصر، ممرض استغل مهنته في خدمة الانسانية

كان منقذ لكثير من الايزيديين اثناء الابادة الجماعية ولازال مستمر في عمله في جبل شنگال

إعداد: خليل بوكو 

قصة الشاب الايزيدي الممرض، “ناصر رشو إسماعيل” الذي عمل في مهمة إنسانية وخطيرة، اخذ على عاتقه مساعدة ومعالجة الأطفال والمسنين العالقين في جبل شنگال أثناء الإبادة الايزيدية في الثالث من آب/ أغسطس عام 2014، وفي افظع أزمة إنسانية في التاريخ الحديث، حيث كان المكون الايزيدي يواجه خطر القتل الجماعي، تجاهل العالم إنقاذهم، واقدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين في مدينة شنگال من قتل الآلاف وسبي النساء وخطف الأطفال وتفجير المزارات المقدسة وهدم وحرق المنازل.

من صور تخرجه من المعهد التقني في زاخو
اختار هذه المهمة وهو محاصر من قبل داعش

“ناصر رشو” من ممرض ومزارع بسيط إلى معالج للمحاصرين في أخطر بقعة في العراق آنذاك، حيث الخطر اليومي من هجمات داعش وقصف الجبل بصواريخ، ومواجهة الجوع والعطش والظروف الجوية الصعبة دون مأوى في أعلى صفوح جبل شنگال المحاصر كلياً من قبل التنظيم الإرهابي.
يقول “ناصر”، ل “ايزيدي 24″، “قبل الإبادة كنت أعمل في مزرعاتنا مع اهلي، حلمت من صغري أن اتخرج وأقدمْ خدمة لأهلي في هذه القرية الصغيرة وشنگال بشكل عام، تخرجت من المعهد التقني قسم التمريض بتاريخ 7/11/2013، من معهد زاخو بمحافظة دهوك، وتم تعيني بمستشفى قضاء شنگال قبل غزو داعش بأربعة أشهر”.

قبل الإبادة كنت أعمل في مزرعاتنا مع اهلي، حلمت من صغري أن اتخرج وأقدمْ خدمة لأهلي في هذه القرية الصغيرة وشنگال بشكل عام، تخرجت من المعهد التقني قسم التمريض بتاريخ 7/11/2013

 

اقرأ أيضا فنّانٌ إيزيدي يرسم مقهى ويديرها ليكسب رزقه بالرّغم من أنّه أخصائيّ في الطب المختبري

غزو شنگال ومحاصرة قرية وردية

يضيف “ناصر”، “كنت مع عائلتي في القرية وفي الصباح الباكر هاجم داعش والمساندين له من العشائر العربية الجارة، مدينة شنگال وعدة قرى من الجهة الجنوبية، قاتلهم المتطوعين الايزيديين وكبدوهم خسارة كبيرة، لكن نتيجة عدم تلقي المساندة ونفاذ الذخائر، استطاع الدواعش كسر سواتر المقاومة والدخول للقرى والمجمعات والمدينة أيضاً، هربت مع عائلتي باتجاه الجبل وكنا في طريقنا إلى الجبل، الا أن اربع سيارات للدواعش وصلت إلى قنديل قرية الوردية وقاموا بإرجاع اهالي القرية إليها، وفي منتصف الطريق قام احد مقاتلي داعش بأخذ السيارة مني وطلب مني أن اركب مع عمي الذي كان يقود التركتور وعُدنا إلى القرية تحت تهديد السلاح”.

هربت مع عائلتي باتجاه الجبل وكنا في طريقنا إلى الجبل، الا أن اربع سيارات للدواعش وصلت إلى قنديل قرية الوردية وقاموا بارجاع أهالي القرية إليها

معالجة الجرحى في ظل محاصر القرية

ويتابع “ناصر”، “بعد ذلك بلحظات ذهبت سراً إلى عيادتي التي تقع على الشارع الرئيسِ الدولي بين شنگال وسوريا، وقمت بأخذ بعض الأدوية الضرورية (لحالات طارئة) ورجعت الى البيت الذي يبعد عن عيادتي مسافة ثلاثة آلاف متر، وفي حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر أتى إليّ مريض مصاب بطلقة نارية اسمه “خديدا” من أهالي قرية زرافكي، وطلب مني معالجته، ولم تكن حالته الصحية جيدة، فقمت بادخاله إلى داخل البيت لكي لا نكون مكشوفين من قبل عناصر داعش، الذين يتابعون كل خطوة ومن المحتمل جداً ان يقتلون اي شخص يساعد الآخر ويعالجه، فقمت بإيقاف النزيف وخياطة وضماد جرحه، وفي ذلك الوقت كنت أمتلك بطل مغذي (سيلان) واحد فقط، فاعطيته لكي لايموت، وبذلك تلقينا نداء شخص آخر مصاب بطلق ناري لكن موقعه بعيد عنا جداً، حاولنا الوصول إليه وتمت معالجته بمساعدة الزميل الممرض “خليل بركات”.

اقرأ أيضا علي، من مخطوف لدى داعش الى منقذ المختطفين الايزيديين

“ناصر رشو اسماعيل” من مواليد 1990 قرية  الوردية التابعة لناحية القحطانية بقضاء شنگال جنوبي الموصل شمال العراق، خريج المعهد التقني قسم التمريض من جامعة زاخو بمحافظة دهوك إقليم كوردستان العراق.

هربت مئات الآلاف من المدنيين إلى أعلى صفوح جبل شنگال حيث الملاذ الأمن الوحيد للايزيدية عبر التاريخ، وبقي الآلاف من المدنيين تحت رحمة دولة الخلافة الإسلامية، أغلق عناصر التنظيم جميع الطرق المؤدية إلى الجبل وحاصروا القرى والمجمعات التي يسكن فيها عوائل وأفراد لم يستطيعوا الفرار من شدة همجية التنظيم والرعب الذي خلفه من القتل البشع وتعذيب الناس وخطف النساء وسبيهن اول ايام الغرو.

ايام مات فيها الأطفال واستشهد المقاتلين وسط صمت عالمي

بعد شهر من محاصرة العوائل العالقة في أعلى قمة الجبل، وتشدد معارك تنظيم الدولة الإسلامية ضد المقاتلين في جميع أنحاءه، محاولين السيطرة عليه، تفاقمت معاناة العوائل واصبح من المستحيل إيصال الإمدادات والإغاثة إليهم حتى عبر الجو، مات في هذه الأيام القليلة 5 أطفال مصابين بالجفاف والإسهال الشديد نتيجة غياب الرعاية الصحية والجوع والعطش، فيما كان يواصل التنظيم هجماته القوية ضد المقاتلين الايزيديين واستشهد عدد من المقاتلين حينها.

تفاقمت معاناة العوائل واصبح من المستحيل إيصال الإمدادات والإغاثة إليهم حتى عبر الجو، مات في هذه الأيام القليلة 5 أطفال مصابين بالجفاف والإسهال الشديد نتيجة غياب الرعاية الصحية والجوع والعطش

اقرأ أيضا “سمير” من دفء وشمل العائلة الى المكوث في خيمة هرمة مع وحدته
المشي على الأقدم هرباً من الموت

“ناصر” يواصل الحديث، “بقينا محاصرين في القرية اول ليلة، كان الدواعش مشغولين بنهب ممتلكات الاهالي وخطف النساء والأطفال وأسر الرجال وفي حوالي الساعة الثامنة مساءً، طلب مختار القرية، من جميع أهالي القرية، مغادرة القرية والذهاب الى الجبل ومرة آخرى وسط رعب وخوف شديد هربنا باتجاه الجبل وعند وصولنا إلى قراج، وصلت سيارات داعش المسلحة إلى هناك، وتركنا سياراتنا وذهبنا من احد الوديان مشياً على الأقدام باتجاه الجبل حتى الساعة 6 صباحاً، وصلنا إلى بداية الجبل وكنا لانملك لا ماء ولا طعام وهو الأمر الأصعب للاطفال والمسنين والمرضى”.

مغامرة العودة إلى القرية لجلب الماء والطعام والأدوية

“ناصر” يتابع، “العوائل لم تستطع صعود الجبل بهذه الحالة، شديدة التعب والجوع والعطش، اتفقت مجموعة من الشباب على العودة إلى القرية وجلب الحاجات الضرورية، عدنا معاً إلى قرية سراً، ورفقائنا استطاعوا الحصول على الماء والاكل وانا جلبت بعض الأدوية للحالات الطارئة وتوقعت أن نحتاجها بشدة، بعد معاناة شديدة وتعب وخوف دائم استطعنا الوصول إلى الجبل والاستقرار فوقه متجنبين مخاطر داعش كنا بحدود 20 عائلة، بعد ان قمنا بجمع القليل من المواد الغذائية من منطقة (كلي دفولي) اي قنديل الوردية أصبح الوضع مستقر لبعض الوقت بالنسبة للعوائل وخاصة بعد ان اقتربنا من عين الماء في (بيراخاي) او (سري كاني) الواقع بالقرب من قرية (كولكا)، حيث يعتمد مئات الآلاف من العالقين في الجبل عليه، ويعتبر مصدراً لبقائهم على قيد الحياة”.

اتفقت مجموعة من الشباب على العودة إلى القرية وجلب الحاجات الضرورية، عدنا معاً إلى قرية سراً، ورفقائنا استطاعوا الحصول على الماء والاكل وانا جلبت بعض الأدوية للحالات الطارئة وتوقعت أن نحتاجها بشدة

النزول من الجبل، والحصول على الأكل والماء وحليب الأطفال يعتبر موتاً محتماً

“مات مئات الأطفال والمسنين والمرضى والجرحى جراء الجفاف الذي اجتاح الجبل، نتيجة كثرة العوائل فيه، وقتل العشرات من الرجال في أطراف القرى القريبة، محاولين العثور على القليل من المواد الغذائية والماء وحليب الأطفال وجلبها للعوائل العالقين، أصبح النزول من قمم الجبل الموت المحتم بالنسبة للايزيديين في فترة تجاوزت ال 14 يوماً في اسوء ظروف مأساوية حيث آب وحرارة الجو القاسية”.

مهمة إنقاذ المسنين من قرية وردية التي يسيطر عليها داعش

يتابع “ناصر”، “كان جدي وعمي وبعض كبار السن من أهالي القرية ما زالوا محاصرين في القرية، فذهب بعض الشباب ليلاً وصلوا إليهم الى قرية وقاموا بأخذهم إلى الجبل، وذهبنا لمساعدتهم وحملناهم على اكتافنا حتى بلغنا الجبل، في هذه الأثناء، عائلة عمتي بالكامل وقعت بيد داعش، فقرر ابي مع إخوانه البقاء في الجبل لكي يحاربون التنظيم ويأخذون المختطفين وحماية الجبل والعوائل المحاصرة، وبعد فتح ممر عبر الآراضي الحدودية مع سوريا طلب ابي مني أن أذهب إلى إقليم كُردستان، فرفضت طلبه وأخذت قرار البقاء مع ابي وامي وقلت لهم حتى إذا كان الموت من نصيبنا سوف نموت معاً”.

كان جدي وعمي وبعض كبار السن من أهالي القرية ما زالوا محاصرين في القرية، فذهب بعض الشباب ليلاً وصلوا إليهم الى قرية وقاموا بأخذهم إلى الجبل، وذهبنا لمساعدتهم وحملناهم على اكتافنا حتى بلغنا الجبل

استغل مهنته في خدمة الانسانية

“استغل الشاب “ناصر” مهنته في خدمة الانسانية وتحدى كل الظروف والمخاطر وبقي في صفوح الجبل يعالج ضحايا داعش والمرضى والمسنين والأطفال، بكمية قليلة جداً من الأدوية التي حملها على ظهره إلى الجبل، واستخدم هذه الأدوية بطريقة اقتصادية جداً حتى تستفيد منها أكبر عدد من المحتاجين والذين سيواجهون موسم الشتاء القاسي في الجبل المحاصر دون إغاثة”.

وكمل”ناصر” “رحلنا إلى مزار “شيبل قاسم” فكانت هناك بعض الهياكل، أخذنا منها مسكن لنا بسبب اقتراب الشتاء والجبل ابرد من بقية المناطق، وداعش حاصر الجبل من جميع الجهات، والمقاتلين يذهبون إلى المعارك وكانوا موجودين في جميع جهات الجبل”.

واختتم “ناصر” حديثه وقال، “قام بعض الخيرين بإرسال بعض الأدوية إلى الجبل، فقسم من الأدوية وصلوا إلى قرية “كولكا”، وبعض الأصدقاء كمتطوعين قاموا بمعالجة الناس والمقاتلين في الجبل، وطلبوا مني مساعدتهم فذهبت إليهم وقمت بمساعدتهم، في النهار كنت اقدم هذه الخدمة إلى العوائل والمقاتلين وفي الليل كنا نقوم بواجب حراسة عوائلنا، برغم عدم ذهابي إلى الخطوط الامامية وفي بعض المرات كنت اذهب مشياً داخل الجبل لعشرات الكيلومترات، للوصول إلى مكان تواجد المرضى، خاصة كبار السن، فبقيت هناك كمتطوع حتى فتح الطريق من جهة سنوني وبعدها ايضاً بقيت هناك لفترة وبعد ذلك انتقلت الى سردشتي، فبقيت هناك إلى يومنا هذا وايضاً مستمر بعملي لمساعدة النازحين هناك سواء كان عن طريق المنظمات او الخيريين”.

ناصر مستمر بالعمل في خدمة النازحين في الجبل منذ الخمس سنوات، فتح عيادة خاصة في الجبل  يساعد المحتاجين، وهو منتسب في مستشفى سنجار العام.
اظهر المزيد
سنترال رات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق