hawar help مدارس الامام علي
مبادرة نادية
مقالات

أسرار  السعادة

ناجي حجي شمو

يتسأل الكثير من الناس ، لماذا كان الماضي الذي عشناه افضل من الحاضرالذي نعيشه ، رغم توفر هذا الكم الهائل من الخدمات في الوقت الحاضر، والتي كانت معدومة في الماضي ، ولماذا كان الناس سعداء رغم فقرهم في الماضي وتعساء رغم غناهم  في الوقت الحاضر ، لماذا كثرة الامراض في وقتنا الحاضر رغم تقدم الطب مع ان الكثيرين في الماضي لم يتعرفوا على طبيب طوال حياتهم ولم يجربوا دواءً طوال عمرهم وكانوا متمتعين بالصحة والعافية ، هل هذا لان الانسان قديماً كان ينظم حياته رغم ظروفه الصعبة  افضل من الوقت الحاضر ، فلم يكون يحتاج الى التوسل باحد ليقدم له الخدمات ، فطريقه الوعر والمليء بالحجارة هو الذي يعدل مساره ويزيل عنه الحجارة ليمر هو ودابته ، واكلاته النباتية والحيوانية والبيض والحليب ولحوم الطيور يأمن له نمو مثالي ويمده بالطاقة والقوة ، وقد وكان قيامه بالفلاحة والزراعة وحرث الارض وصيد الحيوانات واستنشاق الهواء النقي ، وصعود الجبل والمشي الكثير والتعرض للشمس من افضل أنواع الرياضة حيث ويزود العضلات بالقوة ، وكان تناوله للفواكه والخضراوات البرية يزود جسمه بالفيتامينات والمعادن التي يحتاجها  ، وكانت بساطة حياته تقيه الصراعات النفسية ، فلا مشاكل تجعله يفكر بها كثيراً ، ولا منافسة على مشاريع يجعله يكره هذا أو ذاك ، حتى نومه كان متوازن مع توازنات الطبيعة فكان الليل يعني له الهدوئ والسكينة والنوم ، وحين تنسج الشمس اول خيوطها فانها ستستقر على جسده ، وتجعله يستقبل يومه الجديد باوكسجين نقي ينظف راتيه ، وشمسٌ ساطعة تغذي جسده ، وتبعده عن مشاكل الاكتئاب والحزن ، وحين يعمل في الحقول فان عضلات جسده كلها ستتحرك ، ويبدأ عرق الهمة ينضح من جسده ، ليخلصه من الملوحة والسموم ، ويفتح مسامات جلده ، ويزيد من ليقته البدنية ، ويخلصه من مشاكل تراكم الدهون والسكريات والكولسترول، كما ان العمل الجماعي والشعور بالانتماء ، يجعله يرى جميع من في محيطه كأخوة له يبادلهم الحب والعطف والتعاون وحين يأتي الى بيته في المساء يقاسم زوجته واطفاله ما جلب معه من صيد او ثمار او ما توفر في بيته من طعام ، فيتبادل مع اسرته لقمة الطعام التي فيها طعم الحمد والشكر والنعمة والقناعة والرضة ، وحين يضع راسهُ على الوسادة لا يحمل حقد احد ولا يخطط إلا ليوم جديد من العمل والنشاط والتعاون مع الناس ، فكيف سيصيب هذا الشخص بالأمراض النفسية ، ومتى ستظهر عليه المشاكل الجسدية المرتبطة بالحالة النفسية ، وربما يكون هذا هو  السر وراء حبنا للماضي ولحياتنا السعيدة التي عشناها وعشقناها انذاك سواء كنا قد عشناه بتجربتنا الشخصية او سمعناه عن اسلافنا ، ولابد ان تحس بما احس به عندما اعبر عن هذا الموضوع وحينها قد تشعر بالحنين الى الماضي بكل ما فيه من معطيات ومقومات ، فقد كان الماضي جميل بسبب بساطة الحياة ، والقلوب الرحيمة ، والنوايا الحسنة ونقاء السريرة ، وكان لكل شيء معنى ، ولكل فعل قاعدة سلوكية واخلاقية ، وكان المجتمع متماسك وتسود فيه الالفة والمحبة ، وكان هناك العرف الاجتماعي الذي يصنف لك موضوعات الحياة ، ويرتب لك الاولويات ، ويعطيك قوالب جاهزة للمناسبات التي انت في صددها ، ويكفيك عناء الاجتهاد والتحريف والتبديل والارتجال ، فكنت تعرف ماذا ستفعل في الاعراس ، وماذا ينبغي ان تفعل في مجالس العزاء ، وما دورك عندما تكون طفل ، وما واجباتك كشاب ، وما ينبغي ان تفعله كشيخ عجوز ، فقد كان للسفرات قيمة لانها كانت بمناسبة ، وتعرف ماذا ستفعل هناك ، وكان للأكل طقوس والتعامل له اداب ، فتعطي للاشياء قيمة وتستمتع بها ، وكنت تعرف ماذا يعني التدبير ، وتعرف الرحمة ، والمساعدة والايثار ، وتعرف حسن التصرف وطيب الكلام وكنت بعيداً عن التصنع والتفاخر والتكبر وتعيش ضمن مجموعة اجتماعية صغيرة باعدادها ، قوية بتماسكها ، غنية باعرافها ، جميلة بطبيعتها ، بسيطة بحلتها ، فلا تحيد عن سياسة الجماعة ولا تخالف قوانين المجتمع لتبقى تتمتع بالحصانة الاجتماعية فلا يقاطعك الشيخ الكبير بسبب افكارك ، ولا تنفر منك حبيبتك بسبب فقرك ، ولا ينتقدك صديقك من اجل ملابسك ، فكانت الرجولة لها كاريزما ، والانوثة لها صفات ، وكانت الادوار الاجتماعية تُلعب بتناسق وتوازن ،  فتبقى تدور في فلك جماعتك التي تحس بالانتماء اليها ، وتقوم بواجبك على اتم وجه ، فتكون قانعاً بحياتك واسرتك ومجتمعك ، وهنا يكمن سر السعادة .. فالسعادة لا تعني قصر كبير، ولا سيارة فخمة ، ولا امرأة جميلة ، ولا منصب حكومي ، ولا حياة مرفهة ، بل السعادة ان لا تكون طامع في كل شيء ، وان تعرف معنى الاكتفاء ومعنى الحمد والشكر وان تكون قانعاً بما لديك ، وتستمتع بوقتك ، وتقدر ما لديك ، وان لا تطمع بما لدى غيرك ، وان تقدر النعمة وتصونها وتحافظ عليها ، وان ترى دائماً ما هو ايجابي لديك ، وترى الدنيا بعيون راضية ، فحينها ستكون سعيداً بما لديك ، وستحس انك اغنى انسان على وجه الارض ، فالغنى هو غنى النفس ،والجمال هو جمال الجوهر، والراحة هي رضى الاخرين عنا ، والسعادة ان تجعل الاخرين يشعرون معنى الابتسامة ، فحينها ستكسب نفسك ، وتكسب الأصدقاء ، وستكسب حياة مثالية فيها كل مقومات السعادة وراحة البال ، وستترك اثراً جميلاً في قلوب الناس ، وحتى لو رحلت عن هذه الدنيا ، سيصبح ذكرك كنسيم عليل يلطف حياة محبيك واصدقائك وستترك وراءك ارثً من السمعة الحسنة ، والذكر الطيب يعيش على اثره اطفالك ، وسيبقى اسمك منقوشاً على جدران القلوب المحبة لك ، وستبقى الضوء الذي ينير طريق خلفك الصالح الذي سيفتخر بك ويسير على نهجك .

اظهر المزيد
سنترال رات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق