hawar help مدارس الامام علي
مبادرة نادية
مقالات

لدينا كل القوانين، وفساد الاخلاق سيد الأزمات

 

كفاء حسن الربيعي

سؤال ربما يدور في اذهان الجميع، ما سبب صلابة وتوتر التصرفات غير الاخلاقية عبر الزمان والمكان، رغم قرون من الوعظ ورغم ضررها الواضح على الأفراد والمجموعات؟!

يعتبر عالم الاجتماع الايطالي “سيبولا” ان السر يكمن في طبيعة البشر ، فهو يصنف البشر نتيجة لأفعالهم لا حسب الدين والعرق واللغة، لأنها الوحيدة التي لها تأثير بالغ الأهمية علينا وعلى العالم.

يقسم سيبولا الجنس البشري لأربعة أعراق:

1- العقلاء الذين تنتج أفعالهم المنفعة لهم ولغيرهم.
2- الاشرار الذين تنتج افعالهم المنفعة لهم والمضرة لغيرهم.
3- الأغبياء الذين تنتج افعالهم المضرة لأنفسهم والمنفعة لغيرهم.
4- الحمقى الذين تنتج افعالهم المضرة لأنفسهم ولغيرهم.

ويقول سيبولا ان الخبر السيء هو أن نسبة الحمقى والاشرار والاغبياء الذين يتصفون دوما بصفة غير اخلاقية، نفسها بین الرجال والنساء وبين المتحضرين والمتوحشين وبين الأميين والعلماء وبين الرعاية والحكام، والأسوء من ذلك ان لا تغيير سيطرأ على مستقبلنا، والتركيبة الثابتة لاتقدر عليها تربية او دين او سياسة!!

ولكسر تشاؤم سيبولا، هذه الاعراق او التركيبات ليست ثابتة مثل السود والبيض والاناث والذكور، وانما متحركة قابلة للتغيير، فكل مربٍ يعرف ان الطفل خاصة بين السنتين الثانية والخامسة كائن اناني، نرجسي، متسلط، يريد الشيء حالا ويمارس على والديه كل أصناف الضغط والابتزاز للحصول عليه، وعادة لايقيم وزناً او ذكراً للاخر، ينضج هذا الطفل فيصبح مراهقا، فشاب، فكهل، وشيخ، يكتسب بمرور الاعوام تجارب فتزيد تصرفاته فعالية في نفع الناس ونفع نفسه، ولكن المشكلة عزيزي القارئ تكمن في تفاوت ساعة الزمن البيولوجي التي لا تتوقف وساعة النضج النفسي التي تتوقف عند البعض، فنبقى نعاني من مراهقين في الخمسين واطفال في الستين، أي من أفراد حافظوا رغم تقدم العمر بهم على انانية وعنف ونرجسية ذلك الطفل وقابليته للكذب.

إذن فأن صحت نظرية سيبولا او جانبت الصواب ستكون النتيجة واحدة، هي وجود عدد من الافراد يرتكبون بأستمرار تصرفات تضر بهم وبغيرهم،
والسؤال المطروح هنا هو كيف تتعامل مع المجتمعات هذه الظاهرة الثابتة والمتواجدة بنسب مختلفة حسب الزمان والمكان؟!

أولا علينا ان نفرق بين الفضاء العام والفضاء الخاص الذي نمارس فيه مواقفنا وتصرفاتنا والا سنواصل سوء فهم تخلفنا الأخلاقي، فمثلا لو وضعنا شخص اوروبي او اسيوي… الخ مع شخص عربي وراقبنا تصرفاتهم في الفضاء الخاص الذي لايتجاوز حدود العائلة والاصدقاء، لما وجدنا اختلافات جذرية في نسبة التصرفات الاخلاقية وغير الاخلاقية، فسنجد تقريبا عند كلا الفردين نفس نسبة الكذب او الصدق او النميمة او الفضيلة… الخ، بینما لو خرجنا للفضاء العام حيث التعامل مع آلاف الغرباء لن تختفي بالضرورة التصرفات الطفولية، لكنها ستواجه بسياسات مجتمعية مختلفة ومتباينة عالية في الحد وردع الأعمال الخطرة المضرة بالمجتمع ككل، ويطرح هنا سؤال آخر، ما هي هذه الأعمال الخطرة التي تضرب في صميم المصلحة العامة؟!

ستكون الاجابة عزيزي القارئ في كل المجتمعات كالتالي: هي كل الافعال المتعلقة من قريب او بعيد بالفساد، وما لايفهمه البعض ان هذه الجريمة لاتتعلق بكم الاموال المسروقة من الشعب، فهي مهما عظمت قطرة في بحر ، فخطورة الفساد تكمن في ضربه لقيم العمل والنزاهة والمساواة والصدق، حيث يصبح الرأي السائد في المجتمع “ان اردت ان تسد رمقك فأعمل، وان اردت الثروة فأبحث عن طريق آخر” أي طريق الفساد، والان نرى جليا تبعات الفساد وعلاقته بالاستبداد الذي دمر ولا زال يدمر الحقوق والحريات، فمارس الذين حكمونا طيلة فترة ما بعد التحرر من الانظمة البائدة والدكتاتورية، وفي وضح النهار المحسوبية والنرجسية والكذب المفضوح والانانية، فعمموا هذه التصرفات التي انتشرت في الجسم الاجتماعي انتشار خلايا السرطان في جسم المريض،
وهنا نسأل كيف نقاوم الفساد؟! والرد هو بالتربية داخل الفضاء الخاص، لكن وجود الفاسدين في أعلى هرم الدولة دليل على ان جزء أُفلت منها او انها لا تنفع معهم، وهنا يأتي دور القانون وهو الحامي الأهم للأخلاق في الفضاء العام.

والان يمكننا أن نوضح الهيكل العام للمسألة الاخلاقية وكالآتي:

أولا: الإنسانية كنز من التجارب بخصوص المواقف والتصرفات الكفيلة بضمان مصلحة الافراد والمجموعات دون الاضرار بمصلحة الاخرين.

ثانياً: تشهد الإنسانية تتابع اجيال تنشأ بغرائز منها البناءة التي لا تهتم إلا بتحقيق بمصلحة الشخص او على حساب المجموعة.

ثالثا: لتربية هذه الاجيال، الخطوة الأولى هي مراحل مكونة من ثلاث مؤسسات، العائلة والمدرسة والمسجد أو الكنيسة أو المعبد بالنسبة للثقافات الاخرى، هذه المؤسسات تقوم بواجبها على أكمل وامثل وجه ومن ثم علينا ان نردد ماقاله امير الشعراء “قم للمعلم وفه التبجيلا” فلولا المعلم او المربي… الخ لكنا في غابة لايعيش فيها الا الاعنف والاخبث.
وعلى اهمية هذه المراحل الا أن المشاكل لا تحل كلها، وهنا يأتي دور الخطوة الثانية أي القانون، فالقوانين هي من الغت تجارة الرق وجعلتنا نتوقف عن بيع البشر على قارعة الطريق لا بسبب التربية والوعظ، ومن وضع هذه القوانين هم من أحسنت العائلة والمدرسة والمؤسسة الدينية تربيتهم.

ومما يتضح اليوم من تجربة المجتمعات أن أكبر سبب في التصرفات المدمرة جماعياً هو الفساد، والذي لن يختفي الا بقوانين بالغة الصرامة وآليات فعالة لكشفه مثل قضاء مستقل نظيف من قضاة فاسدين، وصحافة حرة غير فاسدة هي نفسها، وجهاز أمني نظيف هو الاخر وخاصة بمجتمع مدني يقظ وسلطة سياسية غير فاسدة تسهر على كل التطورات التي لاتنتهي.

وهنا يتسائل شخص ما، نحن لدينا كل القوانين المطلوبة ومع هذا لايزال الفساد سيد الأزمات ينخرنا ومعه بقية التصرفات المستهجنة؟! واجيب بذلك أن القانون شرط ضروري ولكن ليس كافٍ، فأنت لا تربي طفلك على مكارم اخلاق الانبياء بوضع قائمة قوانين في آداب الطعام أو المطبخ ليتبعها ، وانما بالقدوة والمثال، إنها نفس الآلية في الفضاء العام إن لم يعطِ الرؤساء والملوك والأمراء والولاة وكبار الموظفين القدوة عن قناعة أو عن خوف من القانون فأننا سنبقى ندور في نفس المكان،

وأخيراً قبل أن تدين الجهلة بجهلهم أسأل نفسك من علْمت، وقبل أن تطالب الآخرين بالتصرفات الأخلاقية أسأل نفسك هل أنت من يعطي المثل أو من يكتفي بأعطاء الأوامر؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق