اخبارستوري

فتاة من بعشيقة بالرّغم من صغر سنّها، إلّا أنّها واجهت مجتمعاً كاملا

 

كتابة وتقديم – جميل الجميل

– من براءة الحياة اليومية تنبتُ جذور الإستمرارية والعمل

وجه جريء يبتسم بوجه الحرب والكراهية، وجه عشريني يتحدّى كلّ القيود التي وقفت أمام المرأة بصورة عامة، حرمها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من إكمال دراستها التي رافقتها طوال مسيرتها الحياتيه في بعشيقة، حلم كلّ فتاة أن تكمل مدرستها بسلام وإبتسامة.

أفين سعدالله سليمان، من مواليد 1998 محافظة نينوى – ناحية بعشيقة، كانت طالبة في المرحلة المنتهية – الصف السادس الإعدادي، لم تستطع أن تكمل دراستها بسبب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لمحافظة نينوى ، فنزحت مع أهلها إلى دهوك وعاشوا هناك معاناة النزوح، فكّرت بالسفر إلى خارج العراق أثناء فترة النزوح إلّا أنّها واجهت مصاعب السفر وبقيت مستقرة مع أهلها في دهوك حتى تحرير محافظة نينوى مطلع عام 2017.

لم تستلم أفين طوال هذه المدّة كلّها بل كانت تساعد أهلها في البيئة الثانية التي تختلف عن بيئتها التي إشتاقت لها كثيرا، كما أنّها لم ترضَ بالأوضاع التي كانت تمرّ بها بلادها حالها حال الكثيرات من النساء في العراق.

الإلتفاتة الكبرى التي حوّلتها من طالبة إلى ناشطة في مجال بناء السلام

لم يسلم بيت أفين من الدمار الذي خلّفه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في مدينتها بعشيقة، إلّا أنّها بعد أن بدأت العودة التدريجية إلى مدينتهم عادوا وغادروا بيئة النزوح فبدأت بتغيير نظام حياتها من النظام النمطي إلى النظام التفاعلي مع المجتمع، فبدأت مع أهلها بتصليح بيتهم وإعادته مرّة أخرى وتنظيف بيتهم من مخلّفات داعش وبدأت حياة أفين تتغيّر يوما بعد يوم وخاصة حينما بدأت بالعمل في مجال المجتمع المدني وتعزيز حقوق المرأة والتنوع وتعزيز السلام بين مجتمعات نينوى.

الأعمال التي شجّعتها لتكون مدافعة عن حقوق المرأة وعن السلام

منذ أن دخلت أفين إلى ورشة أقامتها منظمة UPP الإيطالية وكانت حول العنف القائم على النوع الإجتماعي، بدأت بالعمل في مجال المجتمع المدني حيث تم إختيارها لتكون ناشطة وموظفة في مشروع مدّ الجسور بين مجتمعات نينوى ضمن مركز بعشيقة لتبدأ العمل في شتّى المجالات الخاصة بالعمل الإنساني والمدني، بالإضافة إلى أنّها كانت قد عملت جلسات توعية وعملت مع النازحين في المخيمات بتوزيع المواد الغذائية وبالإضافة إلى الأنشطة الخاصة بالكنيسة منها في مجال المخيمات الكشفية والإحتفاليات الخاصة بالأطفال ، كلّ هذا أعطاها خبرة لتكون ناشطة في مجال بناء السلام والمرأة.

– المرأة والسلام من وجهة نظر أفين

لمّا كانت الحروب أداة لهدم المجتمعات وتخريبها وتفكيك آواصر مجتمعاتها، كانت هناك مفاهيم السلام التي تروّج لأزالة آثار الحرب وإلغاء كافة أشكال الكراهية من أجل تطوير المجتمعات وتعزيز مفاهيم الثقة بينها, لهذا بدأت أؤمن في هذا المجال بالرّغم من أنّني كنت ضحية للكثير من هذه آثار الحروب التي لم يكن لي فيها ذنب، لكنّني بدأت العمل في مجال السلام ولي الفخر بأنّني عملت في هذا المجال وإستطعت أن أقدّم خدمات عديدة لمجتمعات نينوى من خلال عملي في مشروع بناء السلام، أما من جانب المرأة فإنّ المرأة والنظرات الضيّقة التي ينظر لها المجتمع يجب أن تستمر وأنّ تمكينها في المجال المجتمعي يساعدها على التخلّص من هذه الرؤيا الضيّقة التي ينظر لها المجتمع وفي هذا المجال عملت في مجال المرأة المعنّفة وعملت على عدّة قضايا تخصّ المرأة من جانب التوعية وجوانب أخرى، لهذا لم يكن لي خيار إلّا أن أواجه المجتمع الذي يقول بأنّ من المعيب أن تعمل المرأة لكنّني أعمل وأساعد اهلي وأمكّن نفسي إقتصاديا بالإضافة إلى أنّني أقدّم خدمة وأشجع النساء الباقيات على العمل.

المرأة حينما تكون صانعة سلام وتشارك في المجتمع مشاركة فعّالة تستطيع أن تكسر كلّ الصور النمطية التي أخذها وطبعها المجتمع في ذهنه، لأنّ المرأة إنسان حالها حال الرجل، كما في المجتمعات الأوربية التي تعطي للمراة حقها في التعلم والعمل والتعبير عن الرأي لهذا يجب أن تبقى المرأة العراقية التي عانت من العادات والتقاليد ومن النظرات الضيّقة أن تأخذها حيزها في المجتمع، وهذا ما أعمل عليه الآن ، أن أمكّن المرأة من كافة الجوانب من خلال خبرتي في العمل التطوّعي والعمل مع مشاريع وأنشطة مجتمعية في مجال المرأة ومجال بناء السلام والتعايش السلمي.

بعد أن كانت الموصل إسماً مرعباً لأفين، دخلت إلى الموصل عدّة مرّات

لا يخفي على الجميع بأنّ مدينة الموصل منذ سقوط النظام السابق وحتى دخول داعش وتحريرها كانت مدينة غير آمنة للمكوّنات الأخرى بالإضافة إلى عمليات قتل وخطف الأقليات لكنّني حينما دخلت أوّل مرّة لمدينة الموصل – الجانب الأيمن لكنيسة مار توما حينما إحتفلت مكونات نينوى جميعها باوّل قدّاس للمسيحيين، كان شعورا عظيما غمرني بالسعادة وأصبحت أقصد الموصل في العديد من الأنشطة والفعاليات المجتمعية التي يقيمها مشروعنا وكوّنت صداقات مع نساء من الموصل وشباب من الموصل ورأيت بأنّ الصور النمطية التي كنّا نسمعها كلّها كانت خاطئة.

المرأة حينما تكون صانعة سلام وتشارك في المجتمع مشاركة فعّالة تستطيع أن تكسر كلّ الصور النمطية التي أخذها وطبعها المجتمع في ذهنه، لأنّ المرأة إنسان حالها حال الرجل

– خطاب الكراهية، وكيف نواجهه

إنتشرت في الآونة الأخيرة وخاصة بعد تحرير محافظة نينوى من سيطرة داعش العديد من الصفحات الوهمية التي تبثّ خطابات الكراهية والتي تنشر على وسائل التواصل الإجتماعي ضدّ المكونات وضدّ قصص النجاح، إلّا أنّني لم أتأثر بهذه الخطابات ابدا، لكني نستيطع مواجهة هذه الخطابات حينما لا نهتم لها ونتركها حالها حال الخطابات الأخرى، وأنّ مواجهة هكذا خطابات يحتاج إلى وعي جمعي من الناس من أجل إلغاء متابعة هذه الصفحات الوهمية التي لا نعرف من يديرها.

– ماذا تريد أفين؟

لكلّ إنسان أهداف معينة وأحلام يتمنّاها إلّا أنّ أحلامي التي أتمنّاها هي أن يكون المجتمع متماسك وأن يعمّ الأمن والسلام على بلدنا الذي عانى من ويلات الحروب والذي أصبحت الحرب تنخر جسده وتقتل الشباب الأبرياء، وأملي بانّ هذه التظاهرات هي نقطة التغيير التي ستنقذ العراق، وأمنياتنا بسيطة جدا منها الاستقرار والخدمات وأن يهتم بالجوانب الثقافية والإجتماعية وأن يتم تطوير التعليم من أجل خلق بيئة واعية مؤمنة بالسلام والتعايش.

– رسالة أفين إلى المجتمع العراقي

نظراً لصغر سنّي ولأنّني حُرمت من أكمال دراستي إلّا أنّني عملت في المجال الإنساني ولكنّني لا زلت مصممة بإصراري الكبير على إكمال دراستي والتركيز في عملي، لأنّ هذا العمل جعلني أن أكون سعيدة وما أجمل وأسعد أن يقدّم الإنسان خدمة لمجتمعه.

على كل إمرأة في المجتمع العراقي ألّا تهتم لكلّ الظروف وأن تحقّق حلمها وتعمل وتمكّن نفسها وتكمل دراستها لانّ المجتمع يعتمد على المرأة، لهذا على الرجل أن يشجّع المرأة ويتعامل معها بأنّها إنسان ليس فقط ربّة بيت أو زوجة! بل أنّ مفهوم المرأة أسمى وأعمق من كل المسمّيات، وعلى الحكومة أن تفعّل القوانين التي تشجّع المراة على القيادة وعلى تفعيل قانون 13/25 “المرأة – الأمن – السلام “.

 

على كل إمرأة في المجتمع العراقي ألّا تهتم لكلّ الظروف وأن تحقّق حلمها وتعمل وتمكّن نفسها وتكمل دراستها لانّ المجتمع يعتمد على المرأة، لهذا على الرجل أن يشجّع المرأة ويتعامل معها بأنّها إنسان ليس فقط ربّة بيت أو زوجة!

 

وأخيرا أشكر كلّ من وقف بجانبي في مسيرتي وأشكر كلّ من كان سند لي وأشكر مؤسسة إيزيدي 24 لدعمها المستمر للمرأة في تقاريرها وأنشطتها وفعالياتها التي تسلّط الضوء على الجوانب الإيجابية للمجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق