hawar help مدارس الامام علي
مبادرة نادية
مقالات

السلوك الجمعي

Collective Behavior

عبد الكريم سليم علي

لم يفعل الناس ما هم يفعلون ؟ وما سر التغيير الملحوظ الذي يطرأ على سلوك الأفراد وقت تجمهرهم ؟ ولم يقوم البعض بأفعال غريبة وشاذة واستثنائية، غير تلك التي عهدناها منهم في سياقات حياتهم الاعتيادية ؟ وما سبب سهولة الاستثارة والهياج والاندفاع وراء الشغب والعنف والصياح والسرقة والتخريب والقتل ؟ لهذه الأسئلة وغيرها يبحث علماء النفس والاجتماع عن إجابات مقنعة تعين في فهم السلوك الإنساني وقت التجمهر، وهو ما يسمى بالسلوك الجمعي تشير الأدبيات في هذا المجال ان السلوك الجمعي عبارة عن استجابات وأنماط سلوكية غير تقليدية متشابهة يقوم بها بعض الأفراد بوصفها ردود أفعال لمؤثر مشترك، وهي أنماط سلوكية لايلتزم فيها الناس بمعايير محددة. بتفصيل أدق _ على مستوى الأفراد_ قد يتصرف الفرد بطريقة تختلف عن طبيعته، او تتوافق معها بشرط ان تتناغم استجاباته مع السلوك الجمعي.
ان سلوك الجماعة في المواقف المثيرة ربما يكون ناجماً عن ظهور “عقل جمعي”، وهو كيان نفسي اجتماعي تفرضه حالة التجمهر يصبغ تفاعل الناس بصفة الجمعية، وهذا العقل ان جاز التعبير، يعد قوة مهيمنة على كل فعاليات الجمهرة، أي ان الناس عند تفاعلهم وبفعل قوة الإيحاء يفقدون استقلالهم الذاتي وشعورهم بأنهم أفراد مستقلون، فيندمجون وينصهرون في كل تهيمن عليه هذه الروح او “العقل الجمعي” وتملي على الأعضاء فيه سلوكهم. ومن المثير في هذه الظاهرة هي حالة الانصهار في بوتقة الجماعة، فأيا يكن نوعية الافراد الذين يشكلونها، فان مجرد تحولهم الى جمهور يمدهم بنوع من الأواصر الجماعية، فيحسون ويفكرون ويتحركون بشكل كتلي، هذا الشكل يختلف تماما عن الطريقة التي كان يحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان لوحده، وحتى على مستوى التعبيرات اللغوية نجد ان الأغلب _ في إطار السلوك الجمعي _ يتكلم بلغة الجماعة، هذا الأمر بحد ذاته يساعد على انفصال الأشخاص عن استقلاليتهم ويسهل اندماجهم بالعقل الجمعي.
والعقل الجمعي طبقا لتحليلات غوستاف لوبون، ناقص بالنسبة لعقل الفرد عندما يكون منفرداً، فبعض الافكار والعواطف لا تنبثق او تتحول الى فعل الا لدى الافراد المنضوين في صفوف جماعة، ويرى لوبون ان الجماهير في حالة احتشادها وانفعالها واندفاعها ابعد ما تكون عن التفكير العقلاني، ومن السهل ان يخضع الحشد الجماهيري للتحريض، وبخاصة ان كانت دوافع الجمهرة موجهة، على سبيل المثال: فان انتماء أي فرد الى جماعة مذهبية بعينها او تنظيم معين يجعل فكر كل واحد فيها يدور في اهتمام جماعته، الى درجة يحجب إدراكه عن غيرها، فيدور في فلك طروحاتها مما يسبب في تعطيل قدراته الناقدة ويكفها، الأمر الذي يدفعه الى التعصب لآرائها، وتنفيذ أحكامها دون مراجعة، واتخاذ موقف حدي من آراء جماعات أخرى، ولعل هذا من أهم عوامل نشأة التعصب الذي يعمق الخلافات ويسهم في تشكيل ثقافة إقصاء الاخر.
كما تفيد الدراسات: ان مواقف السلوك الجمعي تخضع للتلقائية واللاتخطيط، بمعنى انها تتسم بالنقص النسبي في التنظيم قياساً بمظاهر السلوك الجماعي المنضبط، فضلاً عن انها تعتمد على التنبيه الداخلي المتبادل بين الافراد والمتميز بسرعة تقبل الايحاء والمحاكاة ومسايرة سلوك الرهط والخضوع لعقله الجمعي، وبخاصة عندما تسود الجماهير حالة هياج انفعالي ناشئة عن حدوث او توقع حدوث كارثة او ثورة، او عن الاعتقاد بان أعراف وتقاليد معينة مهددة بالإساءة إليها(مع الانتباه ان أفراد عديدون من بين تلك الحشود ربما تمارس أشكالا متنوعة وخروقات عديدة لذات المبادئ التي استفز توقع المساس بها مشاعر الجماهير)
ان الحديث عن السلوك الجمعي لا يعني الإقرار بأنه صفة حتمية لكافة أعضاء الرهط، فربما يحافظ البعض على توازنه الى حد ما – ويتميز في تصرفاته عن الجماعة، الا ان هذه الاختلافات في السلوك الفردي لا تلاحظ وتضمحل بفعل قوة تاثير الحشد. وتلك الحالة بذاتها تسهم في تشجيع الإطاحة بالموانع والنواهي التي تضبط السلوك مثل الخوف من الانتقام والمسائلة مستقبلا، لان الفرد وسط الحشد يشعر بالأمان لأنه جزء من كيان ضخم يصعب عقابه او مساءلته، وبذلك يضعف التزامه بالقيود والضوابط السائدة في مجتمعه في حالة التوازن ويندمج في حركة هائجة اقرب ما تكون الى حركة القطيع، بمعنى ان الكثير من الأفعال تجد لنفسها مبررات بفعل الاندماج في الجماعة وسيادة الشائع والمتبع حينها، ومع هذا قد نجد بعض الافراد رغم اندماجهم بأفعال الحشد يتجنبون ممارسة أكثر الأعمال تطرفا أمام الآخرين، فيحاولون تمويه نشاطهم بالتخفي او التنقل بين صفوف الحشد وربما بتحريض أكثر من فرد للقيام بتصرف معين.
ويرى غوستاف لوبون: “ان من الخطأ ان نتصور ان التجمع الذي يشكله الجمهور حاصل متوسط العناصر التي يتألف منها، انه تركيب جديد وخلق لخاصيات وماهيات جديدة”،
وخاصية التمييز في استجابات السلوك الجمعي تسهم أحيانا في ان يكون للجمهرة زعامة، اذ وبسبب قلة تأثير المنطق والحكمة

يكون سلوك الجماعة أكثر تأثرا بصيحة محرض او منادي يؤشر لمخرج من الخطر، او يوجه لنوع من السلوك، وبخاصة اذا كان لهذا الشخص هالة مسبقة في نظر الجماعة، ( وربما ارتدائه لزي معين، او ترديده لشعار محدد يفي بالغرض)، فسرعان ما تصبح توجيهاته سلوكا شائعا عاما قيد التنفيذ دون أي مراجعة للنوايا والأهداف. فقد يوجه غضب الجماهير نحو فئة او شخص ما على أساس مخالفة الرأي، او ربما يحث حشود معينة لرفض لائحة من القوانين والقواعد التي تهم الناس فيستجاب له دون حتى أدنى اطلاع عليها.
ومسألة زعامة الجمهرة هي الأخرى مسالة نسبية وغير مستقرة كحال الجماهير، فالعديد من حالات الجمهرة تنشأ تلقائيا بفعل موقف مثير يؤلف بين الأفراد مثلا: رد فعل تجاه الاضطهاد او هدر حقوق معينة ودون زعيم يقودها او يوجهها، وقد ينهض من بين الصفوف على حين غرة زعيم يحاول تنظيم صفوفها وتوجيه حركتها “لكن سمة الجمهرة عدم الاستقرار فهي رعناء متحولة متفاعلة لا تلبث على نحو واحد. فقد ينهض زعيم آخر يضلها عن هداها وربما يسوقها الى رداها، وقد يختلط الأمر بينهما فيختفيان فجأة بين الحشد ويبتلعهم التيار وتمسي الجمهرة كما بدأت دون زعيم”.
ولعل ما يميز الانفعالات والعواطف المتأججة بوصفها معطيات سلوك جمعي: انها لا تعتبر وليدة الصدفة او نتائج سياقات حدث ما كليا، بل تحريرات انفعالية ترتبط بماضي الأفراد وتجاربهم في مجتمعهم فالعديد من الرغبات الغير مشبعة والمخاوف والعقد والأفراح والآمال والأحقاد تستتر وتنكمش بفعل العواقب الوخيمة المتوقعة جراء التصريح بها او التعبير عنها، وتصبح مقيدة أكثر عندما لا يجد الفرد حوله من يشاركه فيها، واذا ما وجدت تلك المكنونات النفسية لها مخرجا – في إطار سلوك جمعي – فانها ستندفع بقوة مضاعفة ناشئة عن تفاعل وتخصيب جميع الانفعالات والعواطف المكبوتة عبر سنوات متعددة من القهر، فضلاً عن تفاعل تلك الطاقة المحررة مع انفعالات وعواطف الآخرين في الرهط، فتكبر دائرة الانفعال في وسط يغذيها ويتعاظم شأنها ويمتد تأثيرها. بمعنى: ان عواطف وانفعالات أي فرد في الجماعة يمكن ان تنال من الآخر، ويمكن ان تندمج في سياقات استجابات فزع ورعب او أفعال استفزاز وممارسات غير متوقعة وما الى ذلك من امور ربما يندم على فعلها الفرد بعد صحوته من هيجانه.
ان تجارب ومعاناة الفرد المكبوتة وعبر سنين حياته لا تستقر في عالمه الداخلي بوصفها أرشيف تاريخي مرتب، بل ثمة طاقة نفسية مصاحبة لكل حدث او تجربة تكبت وتتداخل فيما بينها وتتفاعل وتعبر عن نفسها بأشكال سلوك جديدة غير مألوفة حتى بالنسبة للفرد ذاته. تلك الطاقة النفسية، ربما تدفع الفرد احيانا، وحتى عندما يكون خارج الرهط، للشعور بحاجة ماسة لمشاركة الرهط أفعاله، فالإنسان يكره العزلة المعنوية اكثر من العزلة المادية، والاحوال الانفعالية تبتغي لها التأييد، بمعنى انها تريد ان يتوازعها الناس. فأحوال غضبنا مثلا ولا سيما بغضائنا “تفيض بالحرص على الدعاوة لها، انها لا تجد الطمأنينة الا اذا لقيت من حكم الغير إقرارا بها، بمعنى محاولة دسها في أذهان السامعين ليصبح الاقرار بها لزاما على انها ليست عواطفنا فحسب بل هي حقيقة تصلح للجميع وتلزم الجميع”، ويمكن ان نلاحظ في بعض المجتمعات عند موت احدهم، تجدد حالات البكاء والصراخ والعويل والنحيب كلما بادر احد الحاضرين بواحدة من تلك التصرفات وكان الموت قد حدث توا. ان الأحوال الانفعالية في السلوك الجماهيري لها عدوى متفاوتة في درجة الحدة، الا انه كلما كان المحيط مؤتلفاً وإياها ومؤيدا لها، وكلما كانت مشاركته فيها واضحة وصريحة ازداد عنفوان الهيجان، وتحررت الطاقة النفسية بقوة وبتيار عاليين. وبدون ذلك المحيط، وبدون تلك المشاركة لا يحقق الهيجان جميع كوامن إمكاناته الذهنية والحركية، على ذلك فالقاعدة تقول: ان هيجاناتنا تولد ولها تاريخ طويل وتكبر وتترعرع في محيط بشري يغذيها بالاضطراب الذي حملته هي اليه. وهذا ما اشار اليه سيجموند فرويد في كتابه علم نفس الجماهير بقوله: ان الفرد في مسار قوة التجمع يجد نفسه في وضع يتيح له ان يفك اسر ميوله اللاشعورية المقموعة، والصفات الجديدة في الظاهر ماهي الا تجسيد لمحتويات اللاشعور.
وفي مجال ديناميات الجماعة غني عن البيان ان السلوك الجمعي هو احد الوسائل الفاعلة في التغيير الاجتماعي على سبيل المثال: عندما يواجه الافراد ظروفاً اجتماعية صعبة احباط، معاناة معيشية، اضطهاد فكري او ديني او عرقي بشكل مستمر ومكرر بحيث تتحول المعاناة الى نسق حياتي فأن حالة التمرد والرفض والتمرد ستتحول هي الاخرى الى نسق سلوكي، ينعكس بكل تفاصيل الحياة اليومية ومظاهر التعبيرات الادبية والفنية، وهذا بحد ذاته يشكل قاعدة نفسية لانطلاق موجات من الاستجابات السلوكية الجماعية التي قد لا تخلوا من العنف والصراع الدموي. ان تحول أساليب الظلم والقهر والإقصاء واسترخاص النفس البشرية الى نسق تعامل يومي يستشري في أروقة الدولة وأحزابها تحت مبررات ومسميات الفساد الإداري و

المالي او التخندق الطائفي والمذهبي والعرقي، سيواجه في الطرف النقيض ” بنسق ” حياتي متحامل متمرد يعتبر ان الكثير من مؤسسات الدولة ومقرات احزابها هي بالضرورة من املاك جهات ظالمة متعسفة مستبدة، لايحترمها ولايكترث لها ويشعر حيالها بالنفور والاغتراب، مما يصعد من احتمالات عنف المواجهة تجاه تلك الجهات ومقراتها ومناطق استثماراتها وعملها ويؤسس لتداعيات خطيرة غير متوقعة من السلوك الجمعي بين طرفي المواجهة، وبخاصة اذا ما واجهت الجهات المتنفذة غليانات العقل الجمعي بالقسوة والبطش مما يؤكد ويرسخ مشاعر التمرد من جهة والقمع من الجهة الاخرى وهكذا تزود الاطراف بنفسها بوقود استمرار المواجهات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق