مبادرة نادية
اخبارستوري

فنّان يهزم داعش بفرشاته وإبداعه، من أجل إعادة الحياة إلى مدينته لوّن كلّ جدران المدينة بألوان السلام

المجرمون يحطّمون جمال العراق، لكنّ ثابت بتق يبني ويلوّن سواد الحرب ليكون وطنه أجمل

 

إعداد وتقديم – جميل الجميل

بالرّغم من تقدّمه في العمر وإصابته، وبالرّغم من أنّ الناس كانوا يسافرون ويتركون العراق بسبب الأوضاع والحروب التي واجهت العراق، ومع بداية تحرير مدينة بغديدا مطلع تشرين الأول عام 2016 بدأ مع فريقه من الفنّانين بإزالة آثار داعش، حيث قام هذا الفريق بإزالة كافة الكتابات الموجودة آنذاك على جدران البيوت والمدارس وإزالة كلّ الكلمات التي كتبها التنظيم المتطرّف حتى جعل الجدران أجمل تبتسم بوجه العائدين من النزوح وترحّب بهم بالأحرف السريانية وتقول لهم “شلام” ، نعم قالها بصوت العودة “شلاما” وعمليات التحرير كانت قائمة آنذاك وكان ينام في بيت غير مكتمل من أجل فقط تلوين المدينة وجعلها أجمل.

ثابت ميخائيل من مواليد 1963 – نينوى – قضاء الحمدانية ، تخرّج من أكاديمية الفنون الجميلة / جامعة بغداد عام 1986 ، وتتلمذ على أيادي رواد الفن العراقي منهم النحات محمد غني حكمت والنحات صالح القرغلي، واسماعيل الترك.

ثابت هو فنّان تشكيلي ونحّات عراقي ترك بصمته على الساحة العراقية في إبداعاته، وهو عضو نقابة الفنّانين العراقيين، عضو نقابة التشكيلين العراقيين، عضو اتحاد الصحفيين العراقيين، عمل في النشاط المدرسي لتربية نينوى 1989 – 1990، مسؤول قسم التربية الفنّية 1991 – 1997 – قسم إعداد المعلّمات، مسؤول قسم الدراسة السريانية في تربية نينوى 2004 – 2007 ، شارك في العديد من المهرجانات والمعارض التي أقيمت في العراق، له عدّة أعمال فنّية ونصب عامة في الأديرة والكنائس وآخرها تمثال بنت أم الربيعين في الموصل، حصل على عدّة جوائز وشهادات تقديرية وتم تكريمه لأكثر من مرّة ، عمل مع عدّة منظمات وساهم في حملة إعادة الإعمار وإزالة آثار داعش في سهل نينوى، أحّد أعلام محافظة نينوى في موسوعة د. عمر الطالب “أعلام الموصل في القرن العشرين”.

كيف واجه ثابت الحرب من خلال الفن؟

لعب الفن دورا محوريا مهما في خضم الأحداث التي يعيشها الإنسان في بلد يغطي الحزن على الفرح ويغطّي السواد على البياض، إلا أن الفن هو اضاءة في وسط الظلام الذي خلفته الأحداث، هكذا نحاول من خلال الفرص التي نقتنصها من أجل اضاءة مساحة قد تكون فسحة لمحاولات اكبر لزرع الأمل والطموح للانسان الذي كليته الأحداث وفرضت واقع صعب ان يكون الفن هو جزء من العجلة التي يجب أن يحركها الفنان.
وهذا جاء كلّه من خلال إبراز الجانب المضيء والإيجابي من خلال زرع إبتسامة حقيقة وتفاعل بين المجتمع والفن، ومن ضمن هذه الرسائل التي واجهت الحرب بصورة عامة كانت ” حملة إزالة آثار ومخلّفات داعش من خلال رسم جداريات فنّية وثقافية وإجتماعية تعبّر عن ثقافة مدينتنا التي عملنا فيها، بالإضافة إلى تصميم ونحت تماثيل ومجسّمات حطّمها داعش، بالإضافة إلى رسم لوحات فنّية توثّق الجمال والحياة، هذه كلّها نتائج تعزّز دور الفن في القضاء على مشاكل الحرب وإزالة آثارها بالإضافة إلى المعارض التي شاركنا فيها أوقات النزوح وبعد عمليات التحرير.

رسالة الفن أثناء أوقات الحرب

يرى الفنّان ثابت بأنّ رسالة الفنّ أثناء أوقات الحروب تكون رسالة تحدّي ومواجهة كلّ الخطابات التي تروّج للكراهية والحقد والعنف، فحينما ترسم لوحة فنّية إجتماعية تروّج للسلام هذا بحدّ ذاته مواجهة للحرب، وحينما تعيد بناء ما دمّره داعش من آثار وتماثيل وما تبقّى من الحضارة هذا بحدّ ذاته رسالة إيجابية للأفكار المتطرّفة.

ماهي الأعمال التطوعية التي قمت بها وماذا يعني لك التطوع؟

يقول الفنّان ثابت “أنا شخصيا كانت لي بصمات مهمة في التطوّع ، فقد قمت بقيادة حملة لازالة اثار داعش بعد تحرير سهل نينوى مع مجموعة خيرة من المتطوعين من الفنانين والرياضيين. وأيضا أزلنا الشعارات والكتابات المتطرفة التي كتبت على الجدران والبيوت.اما العمل الفني فكان حاضرا في مجال الرسم والنحت ، فأنا من الفنانين العراقيين الذين ساهموا في تفعيل الحركة الفنية في البلد من خلال مشاركاتي في المعارض والمهرجانات الفنية في عموم البلد وخارجية فقد أوصلنا رسالة مهمة بما تعرضت له الأقليات في سهل نينوى وكارثة الهجرة وترك الأرض…أما بخصوص النحت فقد قمت بدورات لتأهيل الشباب وايضا كان لي أعمال ثابتة ومهمة في أماكن عامة فقد كان نصب شهداء سيدة النجاة في بغداد ونصب فتاة الربيع في الموصل هو بصمة واضحة لما أنتجته بعد تحرير مناطقنا.

– نصب يخلّد شهداء مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد.
يقول النحات ثابت ميخائل الذي انجز هذا النصب، بأن مدة العمل به استغرقت ثلاثة اشهر، حيث يتكون هذا النصب من كرة مكتوب حولها الصلاة الربانية باللغة السريانية والمسمارية القديمة، كما يوجد فوق الكرة تمثال السيدة مريم العذراء وهي تحمل إكليل الشهادة رمزاً لشهدائنا الذين سقطوا في تلك الحادثة الاليمة”.

ويشير ميخائيل الى ان “الجدران التي تستند عليها الكرة تحمل اسماء شهداء المجزرة، بالاضافة الى ان النصب يمثل تخليد لشهداء الكنيسة وشهداء جميع الاديان والطوائف عامة” لافتاً الى انه “اختزل تاريخ العراق في تلك الكرة عبر نقش الرموز على غلافها الخارجي”.

كيف إستطاع أن يبني أعماله بعد أن هدّمها داعش؟

لقد جاؤا ليدمروا وليس ليبقوا، وأتسائل إن ما قام به (داعش) هو لتوجيه رسالة مفادها: (نحن ندمر معالمكم.. فأين أنتم).

إن تدمير هذه الآثار والمزارات والأديرة والكنائس هي إشارة قوية من قوى خارجية تعي مكانة هذه المعالم الحضارية مثلما تعي أهميتها. إن ما يريده (داعش) من هذه الأعمال الوحشية هو إيصال صورة ترهب العالم، وتُظهر سيطرتها على المنطقة بما فيها من ناس وحضارة وتاريخ بغض النظر عن المستفيد. وللأسف إن المنظمات والمرجعيات الإسلامية لم تتصدى أو حتى تستنكر هذه الأفعال البشعة بحق الإرث الإنساني.

إن ما يثير الاستغراب حول ما حدث في نينوى وما أقدم عليه (داعش) بخصوص هدم الآثار والنصب والتماثيل في متحف الموصل والحضر والنمرود، والذي عدّه مجلس الأمن الدولي بمثابة جريمة حرب، وحيث أن بعض هذه الأفعال قد جرت داخل مدينة الموصل المكتظة بالسكان.. لم يتم ردع منفذيها.

إن هدم هذه النصب والآثار بالمطارق والأجهزة الكهرابئية يبين مدى خسة ودناءة بعض المتعاونين مع (داعش)، وباعتقادي إننا في هذه المصيبة لا نحتاج إلى كلمة إدانة بل نحتاج إلى قذيفة مدفع ثقيل تنزل على رؤوس هؤلاء الدواعش.
كما أنّ معظم اعماله كانت في الموصل وسهل نينوى وأول تمثال قام داعش بتدميره في الموصل هو من أعماله تمثال سيدة دجلة في كاتدرائية الكلدان في الموصل.

إن هدم تمثال سيدة دجلة في الموصل وتماثيل دير مار كوركيس ودير مار بهنام ونصب وتماثيل قرى سهل نينوى هو جريمة لا تُغتفر، وأنا شخصيا دُمر لي أكثر من عشرين عملا نحتيا، ونقول لهؤلاء إننا سنحاربهم بعد تحرير مناطقنا.. وسنقوم بإعادتها وترتيبها بأحسن مما كانت عليه وخاصة التماثيل والنصب والكنائس والأديرة.. شكلا ومضمونا، وإن شاء الله هذا اليوم قادم وقريب.

وبالفعل عاد ليعيد بناء هذه النصب مرّة أخرى ويوجّه رسالة أقوى من كلّ الرسائل التي تروّج للكراهية، وها هو اليوم ينجر لوحات وتماثيل تبيّن بأنّ الحرب مهما كانت شنيعة إلّا أنّ الحياة والجمال والعمران يبقى الأهم والأكثر تأثيرا في تاريخ المدن التي تدمّرها الحروب.

رسالة يوجّهها النحّات والفنان التشكيلي ثابت ميخائيل

جذورنا لا زالت موجودة في العراق ولن نتخلّى عنها أبدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق