ستوري

سرمد: لستُ بحاجة الى لسان ناطق، فللعمل لسان ينطق

ايزيدي 24 – حسام الشاعر

كل حاجة في البشر يمكن تعويضها بشيء يسد هذا الفراغ ويكمل الجزء المفقود، وربما لا نحتاج الى كل الأشياء التي يملكها الآخرون. سرمد أصم لا يسمع ولا يتكلم فهو ابكم، لكن الحياة لم تسكت وسمعت نداءه وقررت ان تنطق إسمه. فمن هو؟ وما قصته؟

بطاقة تعريفية

سرمد حسن خلف من مواليد بحزاني 1994 ولد ابكم ونشأ وترعرع في ازقة بحزاني العتيقة/ محلة العين قرب مزار شيخ مند. تربى بين عائلة كبيرة، بين 10 اخوان، كبر بين ثنايا هذه الحياة البسيطة والناس البسطاء والعفويين، عاش حياة فقيرة لكنها غنية بما تحتويه من راحة وهدوء يشتهيه الاغنياء والمحرومون منها. فهذه الجدران العتيقة دافئة وكافية لإحتضان من فيه كأمٍ تشكلت من نسمات العطف والحنوة.

دور المربي الفاضل أ.كاكل وتأثيره على حياته

بقي سرمد منعزلا يجلس بقرب مزار شيخ مند دون اي عمل او اي شيء يشغل فراغه، كأنه ضحية بين مطرقة الملل وسندان اليأس. حتى عام 2011، حيث انبثق على بؤرة عينه شعاع من مسامات ضيقة كادت تضيق عن نسمة هواء تنفذ من خلالها، لكن هذا ليس غريب عن بحزاني المليئة بالطيبة، والملونة بالرحمة، والمنفتحة القلب.

هلَّ على سرمد نور المربي الفاضل والطيب السمعة والحسن الشمائل والمعروف عن بصمته وأثره الطيب في مساعدة الآخرين الأستاذ “كاكل غانم”.

في حديث خاص لـ “ايزيدي 24” لفت الأستاذ كاكل الى أن “بعد عودتي من الدوام، لي محل حلاقة اتسلى به في اوقات فراغي، كوني لا استطيع أن اريح نفسي، الا وأن اعمل اي شيء خير من الجلوس مكتوف الأيادي والوقت يسرق من عمرنا هذه الدقائق التي يمكننا أن نفعل اي شيء ايجابي بها”.

ويتابع، “غانم”، “هذا المحل كان لدعم الشباب العاطلين عن العمل كي يمتهنوا مهنة ويسترزقون منها، وكنت افتح دورات مجانية من شهور الى سنين حتى يتعلم كل اساسيات الحلاقة حتى الاحتراف والاعتماد على نفسه ويصبح بمقدوره ان يدير محلا ويقتات منه”.

موضحاً، بأنه ”كان سرمد تلميذي العاشر بعد تخرج 9 تلاميذ وامتهان مهنة الحلاقة. وبدأت دورة سرمد من فترة ماقبل النزوح بثلاث سنوات ثم انقطعنا عنها بسبب النزوح وحالما تحررت بعشيقة عدنا وفتح سرمد محل الحلاقة ومع تكملة باقي التدريبات تطورت مهاراته الى شهر مايو 2020 وأصبح بإمكانه ان يدير محلا خاصا به بنفسه ويضاف الى قائمة المتخرجين”.

وإختتم حديثه، قائلا “اعتبرت سرمد مثل ابني وعلمته القراءة والكتابة ومعارف الحياة لثلاث سنوات قبل النزوح وثلاث سنوات بعده، حتى اصبح مثلنا يفهم كل ما يحيط به وما يعيشه ”.

سرمد تعلم القراءة والكتابة دون الحاجة الى النطق والسمع

كتب سرمد لـ “ايزيدي 24″، “كنتُ لا اجيد القراءة والكتابة لأن البكم والصم لم يسمحا لي بخوض تجربة المدرسة، ومُنعتُ من تعلم القراءة والكتابة كسائر زملائي”.

ويضيف، “حسن”، “وبعد مرور ايام وسنين وأنا محروم من هذه النعمة ولا يمكنني التواصل مع الآخرين سوى بلغة الإشارة ولا يفهمني سوى من يفهم في هذا العلم”.

ويتابع “لكن بعد تعلمي للحلاقة من قبل المربي الفاضل “أ. كاكل” والذي اعتبرته مثل أبي وعاملني مثل ابن له، فقد قرر تعليمي القراءة والكتابة جاهدا، حتى تعلمت وأصبحت اجيد القراءة والكتابة للإنتماء الى مجتمعي ومحيطي وأصبح لي وسيلة اخرى للتواصل مع الآخرين”.

من عامل في محل حلاقة الى صاحب محل خاص

بعد ان تدرب “سرمد” لست سنوات تحت اشراف الاستاذ كاكل ابو صلاح فقد أصبح متأهباً ليسير لوحده ويكمل طريقه ومشواره. ففي محلة العين او محلة الشيخ مند والتي لا يوجد فيها اي محل حلاقة فقد افتتح “سرمد” محلا خاصا به للحلاقة في 10 مايو 2020.

رغم معداته البسيطة لكن امكانيته وما تعلمه من معلمه فقد أصبح جاهزا لخوض هذه التجربة ويقتات منها.

في محله سرمد يعلم الاطفال الحلاقة

الطفل راؤول والبالغ من العمر عشرة اعوام تحدث لـ “ايزيدي 24″، وقال “اول ما فتح سرمد محل حلاقة جئت أطلب من سرمد تعليمي الحلاقة وفي الحال وافق وهو منذ الامس الى اليوم يعلمني وقال لي سأعلمك حتى تحترف وتصبح حلاقا مثلي”.

ولفت الى أنه “وانا ارغب ان اصبح حلاق في المستقبل، لذلك اشكره على تعليمي ومبادرته بدون مقابل حيث اجابني عندما سألته لماذا بدون مقابل؟! فقال لي لأن معلمي علمني بدون مقابل”.

سرمد يساعد الاخرين بأسعاره وللفقراء بالمجان

رغم فقر سرمد واحتياجه الى الدعم، سرمد يحلق بمبالغ رمزية، اضافة الى أنه لا يأخذ اي مال من الفقراء.

صباح اخو سرمد اكد لــ “ايزيدي 24” أن “سرمد لا يأخذ اي مقابل من الفقراء ويحلق بأرخص الاسعار، حيث تعتبر مبالغ رمزية لا اكثر، رغم ان سرمد ليس له وظيفة او راتب او مهنة اخرى يترزق منها”.

وأضاف “لكن روحه كبيرة وقلبه واسع ويحب أن يساعد الآخرين كما ساعده مشكورا استاذ كاكل فسار على نهج معلمه وتعلم منه مبادئ واصول العمل”.

رسالة سرمد الى كل ابكم واصم وميئوس

“أن تولد فقيرا او محكوما ليس عيبا حتى لو كانت ثقافة مجتمعنا تعرفه بهذه الصياغة الضعيفة، لكن أن تستلم لواقعك هو العيب والضعف وعدم استحقاق الوجود والبقاء، علمتنا الحياة ان البقاء للاقوى، للطموح، للمثابر. ختاما اعطِ لغيرك كما غيرك اعطاك وكما سيعطيك الاخرون، دوما العطاء هو البقاء واستمرارية الحياة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق