مقالات

الدين والإلحاد

فرحان عيدو العلي سوركي

إن لم يكن هناك رادع روحاني، فكيف ستتوقف موجة انتشار ظاهرة الالحاد بين شبابنا؟ عندما أقوم بكتابة مقال او حين اطرح موضوعا، فأنا لا أقول إلا ما اعتقد وما أراه من حولي في المجتمع، ورافعا عن نفسي مسؤولية أقناعك او عدمه، وكذلك لست مسؤولاً عما تظنه بي او تعتقده عني لأنني لست بملحد ولم أحاول أن امارس الالحاد، كحال اغلب المؤمنين اؤمن بالله و بعظمته في كل شيء في الوجود، في خلق الكون من العدم وهذا لوحده حسب رأيي دليل واضح للإيمان به و التدين.

إن الدين موضوع شديد العمق والجدية وليس من السهل اطلاقا الخوض فيه والحصول على ما تريد من اجوبة ونتائج لا شك فيها، ولكنني على ثقة تامة بأن الحياة مع الله وملائكته لها مذاق أخر ويعطي البشر شيء من السكينة النفسية، وكما أن ثلاث أرباع البشر يؤمنون بوجود الخالق سبحانه وتعالى وهنا يأتي السؤال، هل من الممكن أن تكون هذه الاغلبية الساحقة على خطأ؟ الجواب المنطقي حتماً سيكون بالنفي.

بعض الناس يبحثون عن وجود الخالق قبل أن يبحثوا عن ما يحدث حولهم بل متناقضين مع أنفسهم بشكل كبير جدا، لأن حياتنا مرتبطة بشيء لا يمكن رؤيته وهو الأكسجين وهو الروح وهو الحب وهو الألم، فلا يمكن رؤية هذه الاشياء، ولكن تأثيرها كبير جداً وجميعها موجودة ونعيشها او نعيش فيها وبها نصبح ما نحن عليه، بشراً.

لا شك بأن سبب إنتشار ظاهرة الإلحاد بين شبابنا وعدم الاعتراف بالدين او بالاحرى برجال الدين، يكمن في وجود أناس يستغلون الدين لمصالحهم الشخصية ويعتبرونه مصدر للرزق يعيشون منه من جهة، وكذلك يحاولون تسويق فكرة أن العلم والفلسفات الحديثة والتطور اللا محدود هي ضد الدين، ويظنون بأن هؤلاء الذين يبحثون عن المصادر مجموعة من الشباب منحرفين اخلاقياً ودينياً.

كيف يفكر رجل الدين في العصر الحديث؟

الجمود الفكري لدى رجال الدين وجهلهم حول الكثير من مجالات الحياة في عصر التكنولوجيا الحديثة والتطور يحث الجيل الحالي على البحث عن المصادر الموثوقة، في ظل الظروف الصعبة المستعصية التي يمر بها مجتمعنا بشكل خاص والبلد على وجه عام، بحيث يعجز التعبير عنها، هناك من أصبح مؤلف كتب، ناشط مدني، شاعر، إعلامي او مخرج، بالإضافة إلى الولوج الى عالم الثقافة من أوسع أبوابها، ومنهم من حصل على شهادات عليا من جامعات مرموقة في مراتب متقدمة في العراق وفي المهجر ومنهم من تبلورت لديه فكرة في الإحتجاج على أمور لا تواكب عصرنا الحالي سواء من الناحية الدينية او الثقافية او الفلسفية او العادات والتقاليد، وكذلك استفاقوا من الركود ليبدأوا في الثورة والتطور الإيجابي.

بالقراءة استوعب الجيل الواعي الجديد عبر التجارب وتحررها من بعض القيود التي لا جدوى منها في ظل عصر التكنولوجيا الحديثة، والتطور الحضاري، ففكروا بدراسة خطوات السقوط قبل الاستفلاح بها بشكل تام وانكروا وجود أي أذى حتى عند السقوط وزعموا على انهم فهموا إقتراب لحظة الموت قبل أن يأتي الموت. وكذلك عرفوا أنهم قادرين على بناء المجتمع على اسس صحيحة ولو بشكل تدريجي.

هكذا بدأ هذا الجيل بإستغلال وسائل تساعدهم على إكتشاف الفرد لمكامن قوته، إذ خرجت عبر وسائل التواصل الإجتماعي المفتوح وثورة الانترنت، مجاميع من الشباب والشابات من ثقافات متنوعة يعيشونها كما يريدون، بكل حرية ينشرون ويطرحون أفكارهم، ويبينون آرائهم وينتخبون بحرية ويتطلعون إلى مستقبلهم لوحدهم ويتعلمون عبر التكنولوجيا الحديثة المزدهرة كثيرا من الامور الجيّدة، عرفوا أنهم قادرين على تطور أنفسهم بشكل فردي وجماعي على حد، سواء بقراءة الكتب او تطوير الذات، لكن فوق كل هذا هناك بعض الظواهر التي باتت تنخر جسد المجتمع بشكل لافت للنظر، عليهم الوقوف عليها بحزم ومنها الإدراك والوعي حيال حالات الحب والغرام والايمان بالدين والإنفلات الذي يؤدي الى التفكك الاسري وتفاقم المشاكل في المجتمع فيما بين الاثنين جراء ذلك من المشاكل والتفرقة فيما بينهم، لأن العالم الديني والحالي لا يتطابقان مع بعضهما البعض كما أن معظم الأشياء الصغيرة والكبيرة المحرمة والممنوعة في الأديان لا تملك إجابات مقنعة ليتبعها الناس حسب تزعمهم.

لو ظل الوضع على ما هو عليه اليوم وكما هو معلوم أن ظاهرة الإلحاد في الازدياد فإن نسبة الإلحاد سوف تتضاعف يوما بعد يوم وسوف تتضاعف معها موجة الانعزال الاجتماعي بين الافراد في المجتمع ومن كل ذلك لا أبرئ دعاة وعلماء دين يعيشون العصر لعدم الاجابة على أسئلة بقيت بلا اجوبة. بالاحرى، الجيل الصاعد يعيشون داخل التاريخ بكل تفاصيله المربكة للفكر والثقافة والوعي الإنساني، وبهذا سوف يهبط الدين ورجال الدين ليحل محله الإلحاد إن لم يكن هناك رادع روحاني!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق