اخباردراساتمقالات

المرجعية الدينية والدنيوية الإيزيدية ما بين المشروعية العرفية والشرعية المجتمعية

ماجد حسن علي(*)

بعد الإعلان عن وفاة الأمير تحسين سعيد بگ بتاريخ ٢٨/١/٢٠١٩، بدأ يطفو إلى السطح ازمة قيادة وإدارة شؤون الأقلية الإيزيدية الدينية والدنيوية في العراق والعالم، حيث سبق وأن تنبه عدد من المثقفين والمهتمين والمعنيين من أبناء الشعب الإيزيدي لهذا الامر الخطير والازمات التي ستواجه الإيزيدية مستقبلا، في الوقت الذي يعاني الشعب الإيزيدي أصلا من عدة أزمات داخلية على الصعيدين الديني والاجتماعي، وأن مصير بقاء أو الحفاظ على ما تبقى من أبناء هذه الأقلية الدينية وهويتها هي على المحك، وبالرغم من المبادرات والمحاولات الجادة لمواجهة تلك الازمات للإصلاح أو على الأقل البدء بوضع اللبنات الأساسية في بناء مؤسسات إيزيدية والاقرار باعتماد المناهج والانظمة الداخلية على الصعيدين لادارة القيادة الدنيوية مثل منصب الأمير من جهة والقيادة الدينية مثل منصب الباباشيخ والمناصب الدينية والإدارية الأخرى من جهة ثانية، والتي كلها تحتاج إلى بناء شرعية مقبولة تعيد بها الثقة في الأوساط الإيزيدية داخل وخارج العراق.

ومن أجل إدارة شؤون الإيزيدية على المستوى الديني والدنيوي يحتاج المجتمع الإيزيدي في الوقت الراهن واكثر من أي وقت مضى إلى الإصلاحات والخروج من القوقعة الشفوية أو التقاليد العرفية التي يتبجج بها البعض للبقاء في مناصبهم سواء كان الأمير أو بعض أعضاء المجلس الروحاني أو ما يسمى بالمستشارين، فالبقاء على نفس الشاكلة لا يمكن ان تلبي طموحات ومطاليب المجتمع الإيزيدي؛ ولم يعد الإيزيديون كما هم في العهود السابقة، لانهم مثل بقية الأقليات الصغيرة يمرّون بتحولات وتغيرات كبيرة لا سيما منذ مطلع القرن الواحد والعشرون خاصة بعد تطورات ما بعد الهجرة والتعرض الى تحديات اجتماعية جديدة وكبيرة والتي لا يمكن مواجهتها ما لم يواكب القيادات الإيزيدية في القيام بإجراءات عاجلة على المستويين الديني والتنظيمي، ففي العهود السابقة وبسبب الظروف التاريخية فقد تم فرض منصب الأمير نفسه وشرعيته الدينية والدنيوية على الإيزيديين كتحصيل حاصل لتلك الظروف والمقتضيات التاريخية، وإذا كان للأمير تحسين بگ والباباشيخ ختو حجي إسماعيل هيبة وكاريزما دينية ودنيوية فرضت نفسها وتأثيرها في قلوب ومحبة الإيزيديين عامةً، رغم انهم تولوا هكذا مناصب بطرق كانت عرفية فانه من الصعب تكرار الامر نفسه بسبب تغير الزمان والمكان للكثير من الإيزيديين، وعليه فأن إدارة الامور على نفس الشاكلة لم تعد مقبولا من قبل الشارع الإيزيدي، والعرف الذي منح الكثير من السلطات للأمراء الإيزيديين السابقين في عهد الأمير تحسين بگ أو ما قبله لا يمكن تطبيقه في الوقت الحاضر، بسبب التحولات والتغيرات التي طرأت على حياة الإيزيديين بعد الهجرة إلى الدول الغربية، حيث وصل نسبة عدد الإيزيدية في المانيا وحدها نحو اكثر من ٢٢٠ الف نسمة، وإلى جانب ذلك هناك اكثر من ١٠٠ الف نسمة في دول الاتحاد السوفيتي السابق فضلا عن عشرات الآلاف موزعين في بقية الدول، وهناك عدد من رجال الدين الإيزيديين المعتبرين يقيمون في تلك الدول وبالتالي لهم كل الحق في التصويت والاقرار بالمناصب الدينية والدنيوية التي تخص حياة الإيزيديين هناك والتي لا يمكن حصرها فقط للإيزيديين في العراق.

أن فرض امر الواقع بعد وفاة (قدمگوهاستن)،[1] كل من الأمير تحسين بگ في ٢٨/١/٢٠١٩، والباباشيخ واختيار مەرگەهـ ختو حجي إسماعيل في ١/١٠/٢٠٢٠، لا يمكن تطبيقه كما في السابق ولن يكون للمنصب شرعية حقيقية بدون وجود منهاج أو نظام داخلي معتمد ومعترف به وعلى أساسه يجب أن يتم اختيار الأمير ووكلائه والباباشيخ واختيار المرگەهـ وأعضاء المجلس الروحاني وغيرها من المناصب الدينية، فما حصل في عملية اختيار الامير في معبد لالش بتاريخ ٢٧/٧/٢٠١٩،[2] وتعيين أربعة الوكلاء بعضهم ذو ميول سياسية وحزبية معروفة ماهي الا سابقة خطيرة في إدارة شؤون الإيزيدية ومستقبل إماراتها، وليس ذلك فحسب بل ترك الامر آثار وعواقب خطيرة لاسيما قيام عدة اشخاص من بيت الامارة نفسها بالإعلان عن تنصيب انفسهم كأمراء للإيزيديين، احدهم في سنجار وآخر في أوروبا،[3] وكذلك قيام افراد آخرين من أبناء العائلة الاميرية بالاعلان عن رفضهم القاطع لعملية تنصيب الأمير بهذا الشكل، الامر الذي خلف انقساماً داخل العائلة الأميرية نفسها، إذ وعلى سبيل المثال لا الحصر نستنجد من ما نشره سرمد سرهاد تحسين بگ، وهو حفيد الأمير تحسين، بياناً أدان فيه طريقة التنصيب، مؤكدا في بيانه “عدم احترام من قاموا بعملية التنصيب رأي الإيزيديين”، ورأى فيه “اتّفاقاً بين المرشّحين للإمارة من دون الرجوع إلى الإيزيديين”، مخالفين وصية الأمير الراحل، وأعلن سرمد في بيانه: “رفضه طريقة فرض الأمير الجديد كأمر واقع حال على الإيزيديين، ومن دون إيلاء أي اعتبار لآرائهم، أو تشكيل مجلس منتخب من عموم الإيزيديين، من خلال عقد مؤتمر ايزيديّ عام، واختيار الأمير المقبل”.[4]

أن ما حصل يمكن اعتباره امر ناجم عن عدم دراية بعض هؤلاء المرشحين لتلك المناصب الدينية والدنيوية وايضا دائرة المحيطين بهم من سياسيين ومستشارين والذين يرفضون عملية الإصلاح ويتدخلون ويعرقلون أي مبادرة في ذلك الاتجاه، خوفا من خسارة مواقعهم التي يستخدمونها كوسيلة لإقامة العلاقات من اجل الوصول الى المناصب السياسية المهمة في الدولة وكل ذلك بالتالي ماهي إلا مؤشرات على استمرار الانشقاق وتعمق الخلافات بين القادة الدينيين والدنيويين في رأس الهرم الروحاني وهكذا أدوار تساهم في زيادة التفكك بين ابناء الأقلية الإيزيدية بشكل عام والإسراع في عملية انقراضه.

وبناءً على ما تم ذكره فأن شرعية منصب الأمير الحالي (على الأقل في الأوساط الإيزيدية وعلى الصعيد الاجتماعي) أصبحت مشكوك في امرهِ نتيجة عملية الرفض المعلن للكثير من الشرائح والنخب الثقافية والاجتماعية الإيزيدية[5]، كونها حصلت عن طريق الفرض والخروج حتى من المسألة العرفية المتبعة وخرقها، وبالتالي فقد جعل هذا الامر شرعية المجلس الروحاني الحالي أيضا في دائرة رفض الاعتراف به على المستوى المجتمعي، الامر الذي سينعكس أيضا على شرعية مسألة اختيار الباباشيخ إذا اتبع نفس السياق وتم التدخل المباشر أو غير  المباشر من قبل الأمير الحالي والمحيطين به من السياسيين والمستشارين، وبالنتيجة فأن مكانة ورمزية منصب الباباشيخ واختيار المرگەهـ هو الاخر سوف تفقد هيبتها وقدسيتها في الأوساط الإيزيدية ومن ثم سوف تفقد شرعيتها، لأن شرعية الأمير نفسه كمنصب أصبحت في موقع التساؤل وانخفض مكانته بسبب ما تم ذكره سابقا، فكيف له أن يختار الباباشيخ بقرار شخصي ومطلق، الذي قد يفقد شرعية الأخير.

أن عملية اختيار المرشح لمنصب الباباشيخ واختيار المرگەهـ يجب أن تمر اما وفق العرف الموروث الذي سيتم تناوله لاحقا أو عن طريق وضع منهاج ونظام داخلي مدون يتناول فيه هيكلية إدارة شؤون الإيزيدية على الصعيد الداخلي والعالمي يتضمن تفاصيل عن اليات تنصيب جميع المناصب بدءاً من منصب الأمير ثم الباباشيخ وبقية الاختياريين والمجلس الروحاني أو المجالس الروحانية التي بدأت تتشكل بشكل مستقل خارج العراق، لان المجلس الروحاني الحالي لا يمكن ان يمثل الكيان الإيزيدي ككل، لأنه يتألف من خمسة أعضاء فقط، في الوقت الذي كان المجلس الروحاني الإيزيدي يتألف من الأمير وهو رئيس المجلس وعضوية اثنا عشر عضواً، ووفق وثيقة تاريخية تعود الى عام ١٩٦٨،[6] فقد انعقد المجلس الروحاني الإيزيدي اجتماعا بكامل اعضاءه برئاسة رئيس المجلس تحسين سعيد و١٢ عضو في يوم الجمعة الموافق ١٩/٤/١٩٦٨ لمناقشة مسألة الحفاظ على سلالة اپيار هسلممان من الانقراض وإيجاد حلول وفق الشريعة الإيزيدية، ولن نخوض في تفاصيل هذا الموضوع باعتباره خارج نطاق هذه الدراسة، لكن ذكر في مضمون هذه الوثيقة التي تعتبر من اهم الوثائق التاريخية عدد أعضاء المجلس الروحاني والتي يمكن الاستناد اليها في عملية توسيع المجلس الروحاني بعد اجراء الاصلاحات.

جدول أعضاء المجلس الروحاني في وثيقة عام ١٩٦٨

  المنصب الديني الاسم صفة العضوية المجلس الروحاني
١. الامير تحسين سعيد بگ الرئيس الأعلى للمجلس
٢. باباشيخ حجي شيخ اسمائيل عضو
٣. الپيشيمام شيخ علي شيخ نذير عضو
٤. شيخ وزير شيخ عطا الله عضو
٥. المتولي فقير شمو عضو
٦. النقيب پير جوقي عضو
٧. الامام شيخ إيزدين عضو
٨. شيخ عبدال عضو
٩. رئيس القوالين قوال سليمان عضو
١٠. وكيل الپيشيمام شيخ خليل عثمان عضو
١١. متولي بعشيقا حسين سلوكه عضو
١٢. باباچاويش پير كمال عضو
١٣. اختيار بحزاني كوچك صادق عضو
١٤. شيخ حسين شيخ ابراهيم السكرتير
١٥. حسن خضر رشو نائب السكرتير

أن التقليص لعدد أعضاء المجلس الروحاني الى خمسة أعضاء بحد ذاته قد قوض على صلاحيات الكثير من المناصب الدينية المهمة داخل المجلس نفسه، ولذلك فأن توسيع هذا المجلس هو مطلب من متطلبات الواقع الإيزيدي الراهن للإصلاح وليشمل تمثيل جميع مناطق تواجد الإيزيدية في دول العالم.

وفي الاتجاه نفسه وسياق متصل ما يتعلق بالقضية العرفية فقد توحد منصب الباباشيخ مع منصب اختيار المرگەهـ وأصبح المنصبين منصب واحد نتيجة ظروف تاريخية لا مجال لذكرها الان، فقد اصبح منصب الباباشيخ بمثابة “الاب الروحي” لجميع الإيزيديين، ويجلس على سجادة ملك فخرالدين،[7] بينما اصبح اختيار المرگەهـ بمثابة “الزعيم الروحي” للإيزيديين لكن لا يحق له الجلوس على سجادة ملك فخرالدين (المحصورة على سلالة شيوخ الملك فخرالدين)، وفي حالة عدم وجود مرشح من سلالة شيوخ الملك فخرالدين يحق أن يتولى منصب اختيار المرگەهـ مرشح من أي طبقة إيزيدية وفق ضوابط دينية تنطبق عليه شروط الايمان والعلوم الدينية لحين اختيار مرشح من سلالة ملك فخر الدين، وحصل هذا الامر في بعض الفترات التاريخية مثل تولي (كوچەك برهيم) منصب اختيار المرگەهـ وهو مريد من قبيلة ماسەكي وذلك في بدايات القرن التاسع عشر لحين تولي بعده منصب الباباشيخ الشيخ ناصر الذي تحدث عنه الرحالة هنري لايارد، وتولى من بعده الشيخ علي لحين تأسيس الدولة العراقية.

وأيضا إلى جانب وجود منصب اختيار المرگەهـ الذي كان يعتبر المنصب المركزي للاختيارات الإيزيدية حيث كان هناك عدة اختيارات ومناصب للاختياريين الإيزيديين والتي ما تزال بعضها موجودة لكن تم تقليل دورهم الديني مع مرور الوقت ومنهم من بقي على المنصب حتى الان هم: اختيار برأڤي يتولاه الان منصب باباگافان، واختيار باسكي شيخا (يتولاه شخصية من سلالة پير بوّآل) واختيار باشيك (يتولاه كوچەك نون) واختيار بحزان (يتولاه كوچەك خلات) وقد اختفى منصب اختيار شمسيپيرا في منطقة لحف قاييدي بمجمع شاريا الحالية.

وفي سياق اختيار المرشح لمنصب الباباشيخ واختيار المرگەهـ، ففي العهود السابقة لا سيما في الفترات ما قبل تشكيل الدول الوطنية التي تأسست بعد انهيار الدولة العثمانية وانقسام الإيزيديين بعدها بين عدة دول، فقد كان يتم اختيار المرشح عن طريق الأخذ بموافقة ورأي “جوقة الباباشيخ” وسدنة معبد لالش وجميع التابعيين والمحيطين بمنصب الباباشيخ وأيضا رجال الدين الإيزيديين المنتشرين في اطار الدول العثمانية، وبعد الانتهاء من موافقتهم يأتي دور الأمير لمباركة المرشح المختار لتولي هذا المنصب، هذا كان العرف المتبع قبل تأسيس المجلس الروحاني الإيزيدي في ثلاثينيات القرن العشرين، وبعد تشكيل الدول الوطنية تغير الامر واصبحت عملية الموافقة على المرشحين يقتصر على بعض مناطق تواجد الإيزيديين في العراق لاسيما في ولات شيخ (شيخان)، حيث معبد لالش، بينما دور رجال الدين الإيزيديين في الدول الأخرى قد فقد تدريجيا بسبب عامل التقسيم حيث لم يكن بالإمكان حتى اجراء مراسيم زيارات الطاووس گيران الى تلك الدول، وهكذا اصبحت هناك عرفا جديدا في اطار دولة العراق. ووفق هذا العرف في الموروث الإيزيدي، فالذين لهم الحق في الموافقة والتصويت ودعم اختيار المرشح لمنصب الباباشيخ واختيار المرگەهـ وبشكل شرعي هم سدنة المعابد ورجال الدين التابعين للباباشيخ لاسيما التابعين المعروفين بـ”جوقة باباشيخ” والتي تتألف من الشخصيات التالية: پيشيمام باباشيخ، باباجاويش معبد گلي لالش، باباگافان (اختيار براڤي)، وشخصية من سلالة پير بوّآل (اختيار باسكي شيخا)، وكوچك نون (اختيار باشيك)، و كوچك خلات (اختيار بحزان)، ثم يأتي دور أعضاء المجلس الروحاني الأعلى ومن بعدهم يأتي دور الكواچك والشكستي التابعين للباباشيخ إلى جانب جميع المجيورين ورجال الدين الإيزيديين المعتبرين، وبعد هذه العملية يجب أن يتم عرض المرشح المختار كأجراء نهائي إلى الأمير الشرعي ليتم “مباركة” المرشح المختار[8]. وهذا يعني أن أمر تعيين المرشح لتولي هذا المنصب لا يتم بقرار مباشر وبشكل فردي من الأمير نفسه وانما تتم المباركة منه لتولي هذا المنصب وهو بذلك دور تشريفي فقط. وكل هذه العملية تتم بشكل داخلي وسري في دائرة المعنيين المذكورين وبشكل غير معلن حتى تتم المباركة والتتويج بشكل معلن في ظل احتفال ديني خاص في معبد لالش.

ومن المفيد أن نذكر بانه حصل أحيانا تدخل الدولة العراقية في بعض الأمور الدينية الإيزيدية في فترات معينة من تاريخ العراق الحديث بسبب المواقف والظروف السياسية للبلد لكن لم يؤثر ذلك في شرعية ومكانة منصب الباباشيخ وهيبته، ولأهمية المعرفة التاريخية باللذين تولوا منصب الباباشيخ واختيار المرگەهـ نذكر في الجدول اسماء وفترات تولي الباباشيخ في العراق بالشكل التالي:

جدول أسماء وسنة بداية ونهاية تولي منصب الباباشيخ (١٩١٩-٢٠٢٠)[9]

اسم المرشح الذي تولى منصب الباباشيخ سنة توليه المنصب سنة انتهائه من المنصب
١. شيخ اسمائيل حجي ١٩١٩ ١٩٢٣
٢. شيخ حجي شيخ ناصر شيخكي ١٩٢٣ ١٩٥٤
٣. حجي اسمائيل ١٩٥٤ ١٩٧٧
٤. الياس حجي شيخكي ١٩٧٧ ١٩٩٥
٥. خرتو حجي اسماعيل ١٩٩٥ ٢٠٢٠

الشيء الملفت للانتباه هو ما يحصل بعد قدمگوهاست الباباشيخ خرتو حجي اسماعيل، خروج بعض المرشحين إلى الترشيح العلني في المؤتمرات الصحفية وفي نشر فيديوهات في صفحات التواصل الاجتماعي للإعلان عن ترشيح نفسهم لتولي المنصب ما هو الا ظاهرة غير صحيحة وبعيدة حتى عن العرف المتبع، ففي مؤتمر صحفي بتاريخ ١٠/١٠/٢٠٢٠ قدم شخص نفسه كمرشح لتولي منصب الباباشيخ وقال ما نصه: “أن اختيار منصب الباباشيخ يختاره المجتمع الإيزيدي ثم يتم مباركة المرشح من قبل الأمير”،[10] والصحيح ليس المجتمع الإيزيدي هو من يختار الباباشيخ لأن المنصب هو منصب ديني بحت ويخضع لدائرة رجال الدين وجوقة باباشيخ كما ذكرنا سابقا وعلى عكس منصب الأمير الذي يعتبر منصب دنيوي يجب أن يشارك فيه بعض شرائح المجتمع الإيزيدي في عملية الاختيار. كما ورشح شخص آخر نفسه من أوروبا لتولي المنصب ونشر اعلان ترشيحه في صفحات التواصل الاجتماعي. أن الترشيح لتولي المنصب بشكل علني أمر خارج عن السياقات وخارج عن المألوف، لأنه ليس منصب سياسي بحيث يشارك فيها عامة الناس في عملية الاختيار، يحق أن يرشح كل من يرى في نفسه الإمكانيات الدينية والكاريزمية شرط أن يكون من سلالة شيوخ الملك فخرالدين.

وفي ختام هذا المقال يمكن القول بأن هرمية القيادة الدينية والدنيوية الإيزيدية تتجه نحو المزيد من الفوضى والخروج من جميع السياق التنظيمية وظهرت بوادر التفكك وتعميق الخلافات بشكل جلي بعد وفاة الأمير تحسين بگ، نذكر على سبيل المثال محاولات بعض أعضاء المجلس الروحاني القيام بالتدخل في الأمور السياسية وهي بالطبع محاولات وادوار خارجة عن صلاحياتهم وواجباتهم الموكلين بها ضمن اختصاصاتهم الدينية في المجلس الروحاني بل انها محاولات خارجة من الصلاحيات التي حددتها حتى العرفية الموروثة، ومن الظواهر الأخرى وغير المألوفة قيام بعض أعضاء المجلس الروحاني استخدام أو اطلاق بعض المصطلحات مثل “سماحة أو قداسة”، على نفسهم وهي مصطلحات ومفاهيم لا يمكن استخدامها الا لمن يتولى منصب ديني معين ومحدد في هرمية وهيكلية المجلس الروحاني أو لمنصب الباباشيخ، وهناك امثلة أخرى منها لجوء البعض من أعضاء المجلس الروحاني بالبدء في مخاطبة رجالات السياسة والإدارة في الدولة العراقية وإقليم كردستان مثل مخاطبة رئيس وزراء العراق ورئيس وزراء إقليم كردستان وارسال الرسائل المفتوحة باسم شخصي وبشكل مستقل واعتبار نفسه كمؤسسة دينية خاصة تعمل خارج اطار صلاحيات المجلس الروحاني ودون الرجوع الى المجلس الذي هو عضو فيه، فالمعروف تاريخيا كان هناك ثلاثة اختام تختم بها الوثائق والرسائل لمخاطبة الجهات الرسمية والدينية وهي ختم الباباشيخ وختم الأمير وختم پيشيمام المرگەهـ، اما بقية أعضاء المجلس الروحاني فلم يكن لهم اختام او صفة للمخاطبات الرسمية.

ومن المآخذ الأخرى في اختيار وتعيين بعض الأشخاص في المناصب الدينية المهمة سواء في المجلس الروحاني أو في المناصب الدينية الأخرى هي قضية الوراثة من الاب إلى الابن، صحيح يجب مراعات السلالة الدينية حسب العرف المتبع الإ أن اختيار اشخاص غير مؤهلين معرفياً ودينيا لتولي المناصب التي كان يشغلها اوليائهم، وحدث حالات عديدة في اختيار اشخاص غير اكفاء كانوا في الأصل منشغلين بالأمور الحياتية وملذاتها طيلة فترة منصب والده وبعد وفاة الأخير فهو يتحول بين ليلة وضحاها الى رجل دين ويتولى مكانة والده، في الوقت الذي يبذل الكثير من رجال الدين طيلة فترة حياتهم للأمور الدينية ويتعرضون للإهمال المتعمد ولا يتم اختيارهم في عضوية المجلس الروحاني والمناصب الدينية الأخرى. يعزوا كل ما يحصل عدم وجود منهاج ونظام داخلي صارم وملزم يتضمن التفاصيل والصلاحيات لكل عضو من أعضاء المجلس الروحاني وبقية المناصب الدينية والدنيوية.

المصادر والهوامش:

(*) ماجد حسن علي، دكتوراه في الدراسات الشرقية، تاريخ الأقليات في العراق والشرق الأوسط، ايميل: [email protected].

[1] وهو مفهوم ثيولوجي روحاني خاص بالعقيدة الإيزيدية يستخدم للروحانيين ممن يمثلون الخاس والاولياء والقديسين بعد الوفاة للدلالة على استمرارية المنصب وفق عقيدة الكراسگوهرين (التناسخ والحلول).

[2] “تنصيب أمير جديد لـ يزيديي العراق والعالم”، RT Arabic، نشر في ٢٩/٧/٢٠١٩، متاح في:https://www.youtube.com/watch?v=ySSjL5p3GJc  .

[3] “أمية معاوية يعلن عن تنصيب نفسه أميرا للإيزيديين في المهجر”، نشر في ٩/٨/٢٠١٩، متاح في: https://rb.gy/lg3hc6.

[4] عباس كاريزي، “رجال دين ووجهاء يعلنون عن امارة جديدة في سنجار”، نشر في ٥/٨/٢٠١٩، متاح في: http://newsabah.com/newspaper/191302 ؛ ينظر بيان بث في فيديو منشور في صفحات التواصل الاجتماعي حول اعلان تنصيب امير اخر في جبل شنكال امير نايف داود بك، نشر في: ٤/٨/٢٠١٩، متاح في: https://www.facebook.com/watch/?v=453227088564293 .

[5]  شباب الشيخان في بيان : “نرفض طريقة عرض تنصيب الامير حازم تحسين بك”، نشر في: ٢٦/٧/٢٠١٩، متاح في: https://ezidi24.com/ar/?p=21569 ؛ سعد سلوم، “تنصيب أمير جديد للإيزيديّين وسط انقسامات حادّة بين النخب الإيزيديّة”، نشر في ٣/٨/٢٠١٩، متاح في: https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2019/07/yazidis-iraq-minorities-kurdistan-sinjar-sheikhan.html ؛ لماذا ترفض الأوساط الإيزيدية تنصيب نجل الأمير الراحل خلفا له؟ العالم الجديد، نشر في ٢٧/٧/٢٠١٩، متاح في: https://rb.gy/irxrt .

[6] نص الوثيقة منشور في كتاب: خدرى سليمان، گوندياتى ئاليەكى ئەنثروپولوجى، بغداد، ١٩٨٥، ص٨٣.

[7] وفق المعتقدات الإيزيدية قديما كان يمكن أن يتولى منصب الباباشيخ أصحاب الكرامات ولم يكن على اساس تحديدهم من أي سلالة دينية أو من سلالة الشيوخ لكن بمرور الزمن وبحكم القضايا التاريخية تحول المنصب ليكون محصوراً إلى سلالة شيوخ ملك فخرالدين.

[8] حول مباركة تنصيب الباباشيخ من الأمير تحسين بگ في عام ١٩٩٥ يمكن متابعة الفيديو المنشور، بعنوان: “بابا شيخ 1995 في لالش”، نشر في ٤/١٠/٢٠٢٠، متاح في: https://www.youtube.com/watch?v=7WNYdaGqLDg .

[9] ينظر: Majid Hassan Ali, Religious Minorities in Republican Iraq Between Granting Rights and Discrimination: A socio-political and historical study, University of Bamberg, 2017, pp. 45-46.

[10] “علي الياس حجي بابا شيخ يعلن ترشيحه لمنصب بابا شيخ الايزيدية”، نشر في ١٠/١٠/٢٠٢٠، متاح في:https://www.youtube.com/watch?v=KYUbF-7gbLI  .

 

 

لتحميل الدراسة على شكل pdf اضغط على: المرجعية الدينية والدنيوية الإيزيدية ما بين المشروعية العرفية والشرعية المجتمعية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق