مقالات

العلمانية (أهيَ إختلافُ تعريف أم خِلافُ مبدأ !؟)

زياد حجي

في رأينا، العلمانية لا تعني أنْ تكـونَ علمانياً في عـلاقَتِكَ مَـع دينك او معتقدك فالعلمانية نظامٌ تتبنّاه الدولة وليسـت نظرية شـخصية يتبنّاها الأفراد كلٌّ على حدةٍ ،أفضل تطبيق للعلمانية في رأينا ان تكون الدولة علمانية، الدولة بقوانينها ومؤسّساتها و مـرافقـها الخِدْمِيّة ، أنْ تـمنحَ قـوانين الدولة الحـقوق للـفرد وتفرضُ عليه الواجبات على اساسٍ من العلمانية ، اي أنْ تـقفَ الدولةُ بكلِّ ما يدخـل في مفهومـها العام على مـسافةٍ واحـدة من جـميع الاديان والمُـعتقدات ، وانَّ الفرد ليس بالضرورة أنْ يكـونَ علمانياً أو ملحـداً فهذا شـأنه الشخصــي.

إنَّ العـلمانية التي قَد تكونُ واجبةٌ على الفرد تكون في تصرّفه وتعامُله مَع الآخر ، فهنا يحـتمل أنْ يكـون الفـرد علمـانياً لـيس اسـتناداً الى النـظرية الشخصيّـة ( او الجانب الوجداني والروحاني في شخصيته) بل استناداً الى المواطنة المقرَّرة بموجب قوانين الدولة العلمانية أو بمعنى آخر يكونُ تصرُّف الفـرد مع الآخـر علمانياً لا الفردَ ذاته ..! وقـولـهـم بأنَّ العـلمانية تـعـني “فـصـل الديـن عــن الـدَّولة أو الدَّولة عَـن الديـن” لا يعني في رأيـنا إنـكار الديـن او الدعـوة الى وجوب انكارهِ بقدر ما يعني ” الوقوف على مسافة واحدة مِــن جــميع الأديان ” لا بل انّ العلمانـية التي نفهمها هي التي تكفُل وتنظّم الحرّية الدينية وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية لجمـيع الافراد في الدولة بقوانين تسـري على الجميع بذات الوتيرة والضوابط.

فالدول الأوربـيّة مثلاً في غالبها دول علمانية تعتـمدُ المساواة امام القانون السكّة التي تسيرُ عليها الدولة وهي تـحمل جميع المواطنين على مـتنِها ، فهي دولٌ علمانية بـمعنى الكـلمة لكنها في ذات الوقت تمنحُ مُطلق الحرّية الدينية للفرد او للجماعات ولا يحـدُّ مِـن هـذه الحرّية الّا ضـروراتِ التنظيم التي تـضمـن مُـمارسـة بقـية الافـراد والجـماعات لـذات الحـرّية و بـما لا يخـلُّ بنظام الدولة وضـرورة تسـيير مرافقها بالشـكل الذي يضـمنُ تـقديـمها الخِدْمات لذات الأفراد وهُـم يمارســون حرِّياتهم العامة والشخصية.

وعليه فأفضل دولة يمكن للفرد ان يمارس حريته الدينية فيها هـي الدولة التـي لا ديـن لهـا ( الدولة العـلمانـية ) واكـثر دولة تمنح الحرّية الدينية وتنظمها هي ( الدولة العلمانية) .. و أكثر الدول احتراماً لحقوق الفرد الأخـرى وتـقدِّم له العـيش الكـريم هي ” الدولة العلمانية “.

فهل العلمانية ضدَّ الدين؟ هل الدين ضدَّ العلمانية وبالتالي ضِدّ المساواة امام القانون؟! عليه فهذين السؤالين نترك الاجابة عليهما لمن يتبناهما، اما في رأينا فان تطبيق العلمانية لا شأن لها بمحاربة الدين او انكاره او الوقوف بالضد منه، كما أنّ العلمانية نظام دولة وليست نظاماً فردياً يتبناه الفرد في علاقته العمودية مع ربّه، وانّ كلّ ما هو مطلوب من الفرد في تطبيقه للعلمانية ان يكون تصرّفه مع الدولة والافراد بموجب ” قوانين عادلة ” يخضع لها جميع الافراد على قدمٍ من المساواة .. وهذا ما اسميه بالتصرّف العلماني ، ويبدو هنا ان العلمانية مشتقة من ” العلم ” ولن اخوض في هذا الجانب الذي قد يكون لغوياً او فلسفياً اكثر.

وفي المُحصّلة ، نعتقدُ بانّ الجدل الدائر حول العلمانية سببهُ اختلافٌ وتباينٌ في التعريف وليـس خلافاً مبدئياً على اصـل النظـرية ، وإلّا فـلا يُـعقل انْ يُقِـرَّ رجال الديـن بأنّ الخلافَ مع العلمانـية سـببهُ إقـرار الأخـيرة للـمسـاواة امـام القانـون فـي ممارسـة الحقـوق والحُرّيات والإنـتفاع بالخـدمات التي تقدمها المرافق العامة للدولة ..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق