دراساتمقالات

قراءة في ملحمة درويشي عفدي

حسو هورمي

لقد قيل الكثير عن ملحمة (دوريش عفدي) في كتب مختلفة وكذلك تم تناولها في القصص وتم غناؤها، ولا يزال، وأقدم نص في متناول يدي، صدر في عام 1968 للكاتب محمد ملا كريم بأسم (واقع الفولوكلور الكوردي) وكذلك صدر في نفس العام ببغداد كتاب (مواويل) بالإضافة إلى بعض الكتب الأخرى مثل، (تاريخ أغاني اللغة الكوردية) إعداد أوردخان جليل في عام 1977 في بغداد، وكذلك نص من ملحمة (دوريش عفدي) في كتاب (شيخان وشيخان بكى) للكاتبان خدر سليمان وسعدالله شيخاني في عام 1988، وفي كتاب (دلال) للكاتب حنيف يوسف في سوريا عام 1991، وكذلك في مجلة (دنكى إيزيديان) العددان 6 – 7 عام 1997، ومجلة (لالش) العددان 16 – 17 في المانيا، وأيضا كتاب (ملحمة دوريش عفدي) لكاتب هذه السطور في عام 2000 في أربيل، واغلب الظن بأن هناك كتاب اخرون قد تناولوا هذه الملحمة ضمن اصدارات اخرى  لم تقع بين يدي.

هذه محاولة تمحيص وتقييم من خلال قراءة سريعة لبعض النصوص التي تناولت هذه الملحمة كنا قد نشرناه في كتاب مستقل عام 2000  ونمارس هنا تسجيل ملاحظاتنا ورؤانا حول الموضوع بكل حيادية في النقاط الاتية:

 

اولا: طريقة غناء الملحمة

لعبت الأغنية الشعبية الكردية دورا لا يستهان به في تحويل الفعل التاريخي إلى أسطورة وأيقونة وسجل تاريخي وثائقي هائل‘يسطر التاريخ التراجيدي، لهذا الشعب حيث كل أغنية تحكي قصة حقيقية وبهذا اصبحت الأغاني الملحمية الكردية  إحدى المصادر التاريخية لتدوين أحداث حقيقية جرت في حقب زمنية مختلفة.

للغناء أهمية في إثبات الحقائق لهذه القصص والملاحم الأخرى في تاريخ المجتمع الكردي لأن تأريخنا قد كتب بيد غيرنا وربما بيد أعدائنا! فماذا نتوقع منهم غير سواد هذا التاريخ.

حضن الغناء الفلكلوري قسم كبير من تاريخنا وأبقاه حيّا إلى الآن والنقاط أدناه ستوضح الصورة أكثر:

1- لقد قلنا سابقا لو إن فنانا تشكيليا سمع هذه الملحمة لتمكن من رسمها، وهذا ما برع فيه الفنان التشكيلي كمال الحراقي في انجاز لوحة فنية تحمل الكثير من دلالات ورموز هذه الملحمة، ومن جانب اخر لما تمعنا في تفاصيل وجه هذا الفارس وطريقة قيامه وقعوده وركوبه للخيل وملابسه ومعاركه.. الخ، كأنما تمّر مشاهد من فلم سينمائي أمام أعيننا.

2- المعارك التي حدثت بين الكرد كمدافعين وبين العرب والأتراك كمهاجمين تنقل لنا الأغاني صورتها.. (أنجدوا والدي وخلصوا خيمتنا الكبيرة من السيوف والرماح … لا يرفع أمثال “عفرى كىسي” و “جيلي ابراهيم تركي” البيارق والأعلام على حدودنا)، وهنا تبدو صورة الشعور القومي واضحة في الأغنية وإلا لما طالبوا بعدم رفع أعلام الأعداء على الحدود.

ومن الجدير بالذكر أن العشائر الإيزيدية، كانت تعيش مع العشائر المسلمة في المناطق الكردية وكانوا يدافعون عن حقوقهم معا.

3- لماذا كانت هذه الملاحم الغنائية على جانب كبير من الأهمية؟

في إعتقادي إن عوامل بقاء هذه الملاحم هي قصّص الحبّ الموجودة فيها ولولا وجود عنصر العشق في الاغاني الملحمية  لمّا تمكنت من الصمود كل هذه الفترة وكانت ستنسى مثل كل شيء آخر والأمثلة التالية هي دليل على ذلك: (مم وزين، فرهاد وشيرين، خج وسيامند، خنسى ورشو) والملحمة هي بإسم (دوريش عفدي وعدلى) كما هي الملاحم التي تم ذكرها انفا.

4- هذه الملحمة تغنّى بأساليب مختلفة وكل أسلوب هو أرقى من الآخر حيث لا يمل الأذن من سماعها والتفاعل مع أحداثها في كل مرة وينسى كون (عدلى) كانت فتاة مسلمة و(دروىش) فتى إيزيدي، وهذه الملحمة مشهورة بين الجميع وينظرون إليها من باب القومية والوطنية وليس من باب الدين.

5- في الأنماط  (السردي والغنائي) المتعددة لهذه الملحمة التأريخية والتي تُغنّى باكثر من لهجة كردية تتحول الأشعار والكلمات إلى ألحان تهتز بها أوتار الفنانين ويطرب لها الناس في الافراح والاتراح ضمن وجع يطن أنينه في قلب المتلقي (بغض النظر عن انتمائه الديني) قبل أن تدمع عيناه على سمفونية تخلِد الأرض والإنسان.

من وجهة نظري، نحن امام عمل ادبي فني كبير ليجسد ملحمة رائعة تمزج القليل من الخيال بالواقع في اسلوب سلس متجانس مبني على الفروسية والاقدام والشهامة والتضحية في لباس ظاهره العشق.

6- هذه الملحمة تذكر بأساليب عديدة وتغنى بأشكال مختلفة غير طريقة لحنها المعتادة، فماذا يعني كل هذا الأختلاف؟

في رأيي أن هذا الأختلاف ليس نقصا في كمال الملحمة وإنما إضافة غنية لأحداثها التاريخية “الفلكلورية” ولهذا وصلت إلى هذا المستوى العجيب في الفلكلور والمجتمع الإيزيدي.

ثانيا: ماذا قالت عائلة (عفدي آغا) حول هذه الملحمة؟

السيدان (يوسف ومصطفى) هما من أحفاد هذه العائلة العريقة في (ويران شار) بتركيا وتحدثا معي قائلين:

إن قرية (عفدي آغا) هي (أولاغ جي) ولا تزال موجودة، و(عفدي آغا) تزوج من إمرأتين، وولداه (درويش وسعدون) هما من (عيشا وليا) وهي من عائلة (بويب بك) من عشيرة (الدنا)، وكان لـ (درويش عفدي) ستة أخوة آخرين ـ من جهة الأب ـ وهم (ملحم، تمر، ميسل، محمود، بكزادة وحلو)، وقالا إن أحداث الملحمة وقعت بين عامي 1790 – 1793، وأن قبر (درويش عفدي) على تلة (عطشانى) ويبعد خمسة عشر كيلو مترا عن (ويران شار)، والآن كثر عددنا ونسكن في سوريا وتركيا والمانيا، ثم أضاف (يوسف) وهذا هو نسبنا: يوسف بن تمر بن خلف بن بشار بن آغا بن ملحم بن محمي بن علي خان آغا.

ثالثا: نظرة عائلة (تمر باشا)  لهذه الملحمة التاريخية:

في عام 1991 جلست مع السيد (عبدالاله ابراهيم باشا) وهو من أحفاد (تمر باشا المللي) في منطقة رأس العين بمحافظة الحسكة  في سوريا وسرد على مسامعي القصة التالية:

وكان التأكيد على إستشهاد “دوريش عفدي” في ساحة المعركة عندما كان يدافع عن شرف الكرد وصدّ غزوات العرب والأتراك، لهم حيث أكد إن (دوريش عفدي) لم يقتل غيلة، وكان المدافع الأول عن عشيرة (المللان).

رابعا: معلومات حول الملحمة:

1- ملحمة (دوريش عفدي) حدث تاريخي لا يحتاج إلى برهان لتأكيده، وفي عام 1791 ضحى بنفسه من أجل وطنه ومللته ودافع عن عشيرة (المللان)، وفي نفس العام هجم العثمانيين عشيرة (تمر باشا)، وفي عام 1780 أنتخب (دوريش عفدي) رئيسا لعشائر (الكيكان، المــللان والشرقيان).

3- في عام 1790 أبرق السلطان العثماني (سليم باشا) إلى والي بغداد (سليمان باشا) ليهجم على عشيرة (المللان) وشارك في تلك الحملة بطبيعة الحال قوات والي الموصل (محمد باشا الجليلي) وذهبوا إلى (ميردين) والتحقوا بـ (ابراهيم باشا) والي أورفا، حيث شاركهم بعشرين ألف مقاتل تقريبا وحدثت معارك طاحنة أستولى خلالها القوات الغازية على (كلهة بوك) وسقط (تمر باشا) وتم تنصيب شقيقه (إبراهيم آغا) بدلا عنه.

(المصدر: غرائب الاثر، ياسين خيرالله العمري، مطبعة ام الربيعين الموصل) وقد نشر الكاتب محمد امين الدوسكي دراسة  باللغلة الكردية بعنوان “صفحة منسيّة من تاريخ درويش عفدي” في مجلة لالش العدد الخامس  واعدت نشر الدراسة في كتابي المعنون “ملحمة درويشي عفدي” المطبوع باللغة الكردية في عام 2000 من منشورات وزارة الثقافة في اربيل.

2- دور الأغنية في الحفاظ على تاريخ الكرد لا يمكن أن يضيع، ولكن كانت هنالك بعض المحاولات لطمس هذه الأغاني أو إضافة مقاطع لأغاني أخرى بهدف ضياع هذه الملحمة، وهذه المحاولات كانت بمساعدة بعض الجهات لمصالح خاصة.

والعديد من الفنّانين تأثروا بهذه الملحمة، كما إنها تعرضت لرياح التغيير، ولهذا نرى بعض المقاطع الجديدة المضافة إليها، وإذا نظرنا بحيادية إلى هذه الأغاني سيتبين لنا بأن هذه المقاطع المضافة ليست أصيلة وإذا أنتبهنا إلى الأصلية منها ففيها من الصور الأصلية والمباشرة من الملحمة مثل تعامل المغني مع الكلمات واللحن بالأضافة إلى إظهار صور من ذلك الزمان وكأنك تعيش أحداثها.. لا كما يقولها (عارف جزيري): (أن عدولى كانت تخدع دروىش ليخدم ويدافع عن مللة أبيها)، ويقول بعض المغنين في أغانيهم: لا توجد علاقة بين (دوريش عفدي) وبين عشيرة (المللان)، كما في أغنية (دليل) وهو إبن عم (عدولى) و(خليل باكوزي) هو من يقول هذا ودليله بأنه كانت هنالك عداوة بين الإيزيدية وعشيرة (المللان)، ولكن التاريخ لا يذكر هذا بل ينكره.

3-  تمت محاولات لإنشاء أغاني ضعيفة لجعل (تمر باشا) صغيرا في أعين  الأكراد وحاولوا من مختلف الأتجاهات أن يلغوا دور (دوريش عفدي) وشجاعته ويفرقوا بينه وبين (تمر باشا).

نظرة تاريخية:

سنحاول أن نتناول بعض المعلومات التاريخية حول الملحمة:

قبيلة المللان:

تتكون قبيلة المللان من عشائر (الشرقيان، الدنان، الدوملي، الخالتي، الكيكان، الدقوريان، الباشات، المحليان، كم نفشا، الحيدران، الكوران، الهسنان، السيدان، الدودكان، الزيركان، متينا، سركان، ناصريان، خدريكان) وقد تكون بعض هذه العشائر غير كردية مثل: (الباقورة، الجبور) وكانوا يلقبون (المللان) بالألف مللة.

مناطق سكن المللان:

كانوا يسكنون في (سويرك، بيرجك، ديار بكر، ويران شار، أورفا، وفي جبل قرج داغ) ومن ويران شار إلى رأس العين.

الجيران:

وهم ( عشائر العرب من الشمر والطي وعنزة والبو قيس بالإضافة إلى عشائر تركمانية).

توحيد المللان:

كان توحيد قبيلة (المللان) والمتكونة من عدد من العشائر الكبيرة في سبيل الوقوف بوجه القبائل المعادية من عشائر العرب والأتراك.

تأسيسا على ما تقدم يمكن إستخلاص النتائج التالية:

  1. كان (دوريش عفدي) صاحب موقف وفارس بحق.
  2. هذه الملحمة تتغنى بأكثر من أربعة عشر أغنية مختلفة، وتروى بأكثر من طريقة.
  3. كتب عن (درويشى عفدي ) الكثير من المقالات والكتب والنصوص.
  4. من الواضح أن (دوريش عفدي) قد أستخدم نوع من الدبلوماسية مع العرب عن طريق (عفرى كيسي).
  5. توحدّ العشائر الكردية في زمانه بتلك المنطقة  وأصبح مصيرهم واحد.
  6. قويت شوكة (المللان) بتوحيدهم وشكّلوا خطرا على السلطة العثمانية الأقليمية.
  7. يقع قبر (دوريش عفدي) على تلة (عطشانى) جنوب (ويران شار).
  8. أن من أسباب المعارك التي وقعت بين قبيلة (المللان) وبين القوات العثمانية، تنامي قبيلة (المللان)، حيث يقال إنها كانت مكونة من سبع وأربعون عشيرة برئاسة (تمر باشا)، وأمتنعت عن دفع الأتاوة والرشاوى للسلطات العثمانية، كما شكلوا جيشا مكونا من سبعين ألف مقاتل وقاموا بقطع طريق التجارة بين مدن ديار بكر وحلب والموصل، كما لم يلتحقوا قط في صفوف الجيش العثماني.
  9. أسم قلعة (تمر باشا) هي قلعة (بوك).
  10. ذكر تاريخيا أن شقيق (تمر باشا) المدعو (سعدون) كان قائدا لجيش قبيلة (المللان) وأن (جيلي إبراهيم) هو (إبراهيم باشا) والي (الرقة).
  11. في الكتب التاريخية لم يذكر أسم (دوريش عفدي) مع أسم (تمر باشا).
  12. ما يقال عمّا كان بين (عفدي آغا) وبين (رحمة خاتون) شقيقة (تمر باشا) بعيد عن الحقيقة ولا يتناسب مع واقع الإيزيدية  الديني.
  13. ما يقال عن قيام (عفدي ملحم) و (عمر الشرقي) بإجراءات خطوبة (عدولى) ل (دروىش) هي منافية للحقيقة.
  14. فرس درويش المسمى (هدبان) يذكر كذكر أحيانا وأحايين أخرى كأنثى.
  15. ذهاب (دوريش عفدي) إلى وادي لالش لينال رضا الأمير وبابا شيخ في محل شك بنظري.
  16. أرى أن (دوريش عفدي) جعل من نفسه قربانا للكيان الكردي المتواجد انذاك في تلك المنطقة وخاصة عندما تعرضت قبيلة (المللان) لهجمات العرب والأتراك.
  17. وفي النهاية سؤال يطرح نفسه لماذا حينما دخل (دوريش عفدي) في المعركة التي لا نجاة له منها أخذ معه أحد عشر من الشجعان فقط فهل من المعقول أن يقاوم (دوريش عفدي) وأحد عشر فارس قوات تتراوح بين العشرين ألف والثلاثين ألف من العرب والأتراك؟
لوحة للفنان كمال حراقي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق