اخبار

مسيحيّو نينوى يبدأون بصوم باعوث نينوى

إيزيدي 24 – جميل الجميل

بدأ صوم باعوث نينوى في كنائس نينوى وسهلها ويستمر هذا الصوم ثلاثة أيّام وكلّ يوم هناك قدّاس يقام في كل الكنائس في نينوى.

معنى وتسمية باعوثا (ܒܥܘܬܐ):

لغوياً؛ باعوثا (ܒܥܘܬܐ) هي كلمة آشورية تعني الطِلبة أو إلتماس أو التضرع. طقسياً وروحياً؛ تعني فترة أو زمن مكثف للصلاة والصوم.

وتسمى باعوث نينوى نسبة الى المكان أو العاصمة الذي بدأ فيها الصوم، وتشبهاً بأهلها الذين آمنوا وتابوا فقبل الله توبتهم وأبعد غضبه عنهم. ويعتبر هذا الصوم من الأصوام الهامة في الكنائس الشرقية (المشرق الآشورية، الشرقية القديمة، الكلدانية والسريانية) لإرتباطها بهم إرتباطاً مباشراً كشعب له جذوره من هذه العاصمة والذي صامه اجدادهم قبل وبعد ميلاد المسيح.

وصوم باعوث نينوى معروف ايضاً في الكنيسة القبطية ويسمى لديهم بــ(صوم يونان)، وحسب مصادر هذه الكنيسة، فان الصوم قد دخل اليهم في أيام البابا افرام إبن زرعة السرياني في القرن العاشر الميلادي.

نشأة الصوم تأريخياً:

نشأ صوم الباعوثا من خلال مرحلتين:

الأول كتابي، قبل المسيح: السبب الأول لتنظيم كنائسنا لهذا الصوم هي إحياء ذكرى توبة أجدادنا الآشوريين في نينوى على يد النبي يونان. حيث إتخذ آباؤنا من سفر نبي يونان ركيزة كتابية لصومهم وتوبتهم على مثال اجدادهم، سكان العاصمة الآشورية نينوى، في القرن الثامن قبل الميلاد في زمن الملك الآشوري (سرخدون- المعروف عند اليونان بـ “سردانا، سردانابوليس”)، والتي كان عدد سكانها انذاك قرابة 120 الف نسمة، فصاموا وانقطعوا عن تناول الأكل والشرب، كباراً وصغاراً، بعد ان قام النبي يونان بانذارهم بضرورة التوبة، لدرء غضب الله عن مدينتهم، ولما استجاب الملك واهل تلك المدينة العظيمة لأنذار الرب عفا عنهم الرب ولم يدمرها.

الثاني تقليدي وكنسي، بعد المسيح: السبب الثاني هو بسبب الوباء الطاعون (شرعوطا)؛ ففي زمن البطريرك حزقيال (570-581) في ايام المطران سبريشوع مطران كركوك ونينوى والمناطق المجاورة، انتشر وباء الطاعون (شرعوطا) بين أهالي هذه المناطق فأباد الآلاف منهم، وبينما كان المطران سبريشوع يصلي الى الله، سمع صوت الملاك يأمره بأن ” ينقطعوا عن الطعام ويتفرغوا للصوم والصلاة واقامة باعوثا، لكي يرد الله عنهم ويوقف الوباء من وسطهم”؛ فجمع المطران رعيته ودعاهم لإقامة الباعوثا فلبوا دعوته، فصام الجميع حتى الأطفال ولبسوا المسوح، ويُقال إنه فعلا بعد ثلاثة أيام من الصوم الذي أبتدأ يوم الاثنين، رَدَّ الله عنهم الوباء أثر توبتهم وصومهم وصلاتهم.

طقسياً:

بدأ هذا الصوم في كنائسنا في زمن الجاثليق حزقيال (570-581) بعد ان رأى مراحم الرب التي أنعم بها عليهم بسبب الصوم والصلاة، فقرر أن يصوموا ويصلوا اتباع الكنيسة جميعاً في كل المناطق لمدة ثلاثة أيام في السنة، بدءاً من يوم الأثنين الى يوم الاربعاء قبل بدأ الصوم الكبير بعشرين يوماً، اي قبله بثلاثة اسابيع، وأطلقوا عليه باعوث نينوى تشبهاً بأهلها الذين آمنوا وتابوا فقبل الرب توبتهم وأبعد غضبه عنهم. اما الصلوات الطقسية فقد نظمها الملفان الراهب يقيرا من دير مار ايليا في القرن 12، والتي تضم صلوات ومزامير وأبيات من الشعر الكنسي”عونياثا” ومناداة “كارزوثا” وميامر “أشعار”، لملافنة كنيستنا العظماء، ومعظمها هي لمار افرام ومار نرساي.

قانونياً:

لكنيسة المشرق أصوام عديدة منها أصوام قانونية فرضية وواجب على المؤمنين صيامها، ومنها أصوام اختيارية، للمؤمنين حرية صيامها من عدمه (سنتكلم عن هذه الأصوام في قوانين كنيسة المشرق بشكل موسع في موضع اخر عن قريب بقوة الرب)، ويعتبر صوم باعوث نينوى من الأصوام الفرضية التي يجب على كل المؤمنين صيامها وإلا سوف يقعون تحت حكم الكنيسة. حيث ينص قانون 15 من قوانين مار إيليا، الذي أخذه من قوانين المنسوبة الى الرسل، بأنه: ” أمروا وقالوا (اي الرسل): أي نصراني (مسيحي) لا يصوم الأصوام المفروضة كاملة، وهي صيام الخمسين، ……. ، وباعوث نينوى. فأي من لا يصومهم فهو تحت الملام والحكم، وان كان من درجات الكهنوت ينزل من درجته”.

تقليدياً:

هناك تقليد بمناسبة باعوث نينوى، الذي يقوم به أبناء كنيستنا في اليوم الأخير من الصوم، حيث تقوم عوائلنا بطحن وخلط وقلي سبعة أنواع من الحبوب والبذور، ثم تضاف اليه كمية كبيرة من الملح، لتكون خليط يسمى (بوخين)، ثم يتناول الشباب والشابات العزب منه على أمل ان يرى كل واحد في حلمه حبيبته أو حبيبها المنتظر.

خاتمة:

هذا الصوم له مكانة عظيمة بين أبناء شعبنا الآشوري في كل الكنائس الشرقية لأنه يخصه كشعب ولأن الله أظهر له محبته العظيمة عندما أرسل يونان النبي اليهودي الى نينوى المدينة العظيمة الى الشعب الآشوري عدوه، وأنذرهم بالصوم والصلاة لكي لا تخرب مدينتهم العظيمة ويهلك سكانها، “وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي” يونان 1:1-2. فقد سمع الملك وشعب نينوى كلام الله وأنذروا بالصلاة والصوم ولم يهلك الله مدينتهم.

يُظهر لنا سفر النبي يونان كيف أن الآشوريين كانوا مؤمنين بالله الواحد منذ قرون قبل مجيء سيدنا يسوع المسيح، ولم يكونوا وثنيين كما يدعي البعض، لذلك أقاموا الصلوات والصوم لله الواحد الذي كانوا يؤمنون به وإلا فكيف سمعوا كلام نبي من اليهود أعدائهم وأمنوا ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم الى صغيرهم ومن ضمنهم ملكهم وعظمائهم “فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ ” يونان 3: 5.

كما ان هذا يظهر ان حب الله ورحمته لا تقتصر على بني اسرائيل وشعب واحد فقط، وإنما يشمل جميع الشعوب والامم التي تسمع كلامه وتعمل بمشيئته ” أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا” رومية 3: 29.

كما يظهر لنا ايضاً ان حب الله ورحمته وغفرانه للبشر أكبر من غضبه عليهم، فبالتوبة والصوم والصلاة وطلب الغفران، يسمع الله للشعب الذي يسعى اليها، فيعدل عن تنفيذ غضبه ويسامحهم “نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ” يونان 3: 10.

جدير بالذكّر بأنّ هذا الصوم مهم جدا لمسيحيي نينوى يصومونه من أجل تجديد طلبات السلام لمحافظة نينوى ومن أجل أنّه يمثّل وجودهم وحضارتهم وتراثهم التاريخي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق