مقالات

البابا فرنسيس يضع قطعة الفسيفساء المفقودة على لوحة العراق المهجورة

نوزاد شيخاني

بشجاعة وعزيمة وإصرار، وحبه للسلام وللشعب العراقي، كما ولشعوب المنطقة أتى إلينا قداسة البابا في زيارة تاريخية حاملاً معه ألم ومعانات العراقيين بجميع مكوناته في ظل تحديات وظروف إستثنائية ومعقدة للغاية.

ثلاثة أيام وهذا الرجل العظيم بشخصيته والكبير بإنسانيته وتواضعه يجول بطاقة كبيرة بين بغداد وأربيل ومدن عراقية أخرى يحمل راية المحبة والسلام في أرض الرافدين مهد الحضارات والأنبياء في الوقت الذي فاضت منها دماء أبنائها الأبرياء ضحايا الحروب والعنف والإرهاب، والحقد والشر الذي قاده دعاة التطرف الديني وتسببوا بقتل عشرات الآلاف، وسبي آلاف النساء ونزوح وهجرة الملايين منهم، وبات العراق شبه مفرغ من مكوناته الأصلية بعد أن مزقتها يد الإرهاب والتطرف خاصة من المسيحيين والإيزيديين والصابئة.

ثلاثة أيام والبابا يمسح دموع العراقيين ببركاته وصلواته، وينعش آمالهم من جديد. في ثلاثة أيام فقط أعاد البابا العراق بريقه ومكانته، وجعله محط أنظار العالم بعد أن صار لا يسمع عنه إلا تحت مسميات الحروب والإرهاب والعنف والتطرف، وبهذا اختصر البابا عقود من الزمن لمصلحة ومكانة العراق الحقيقية ما لم يقدر الزعماء والشخصيات المتنفذة، وجميع مؤسسات المجتمع الدولي برمته في تحقيقه طيلة عقود.

كيف لا وشاهدنا تلك الماكينة الإعلامية الضخمة التي اهتمت ورافقت زيارة قداسته، حيث المئات من القنوات والمراسلين من جميع أنحاء العالم وجهوا بكاميراتهم نحو بلاد الرافدين، وتفتحت عيون العالم على بلدنا وشعبنا المتنوع الجميل، وشاهدوا بأن العراق ليس عراق حروب وقتل ودمار، بل عراق المحبة والسلام، عراق التاريخ والأصالة، شعبه هو شعب الثقافات والحضارات.

فرحتي كانت مع فرحة أبناء شعبي بوجود رسول السلام بيننا بهذه الكمية من المحبة والعطاء. فرحت بحب العراقيين له واستقبالهم الشعبي والرسمي الذي يليق بضيف العراق الكبير.

فرحتي كانت ستكون أكبر إن كنت أشاهد البابا فرنسيس وهو يزور لالش أو إحدى كمبات النازحين، أو وهو يتجول في سنجار أو في كوجو، وفي سبايكر، وغيرها من المناطق التي طالتها يد الإرهاب والقتل والدمار. كانت من الممكن أن تتحقق تلك الفرصة التاريخية لو كانت هناك إرادة موحدة وإصرار وعزيمة من الجهات والشخصيات المعنية من أجل ترتيب هذه الزيارة في الشكل والتوقيت المناسبين.

وهكذا غادرنا البابا فرنسيس العراق، لكنه لم ولن يغادر قلوب العراقيين الذين وجدوا فيه الأب الروحي لهم، أباً للجميع دون إستثناء.

غادرنا البابا وترك وراءه رسائل وعبر في غاية الأهمية. أتمنى أن تترجم على أكمل وجه لمصلحة العراقيين ولجميع شعوب المنطقة. على المسؤولين قبل غيرهم أن يسمعوا لنداء السلام وأن يستغلوا نتائج هذه الزيارة التاريخية لصالح بلدهم، وأن يلتفتوا إلى شعبهم بعد أن تركوه يواجه الموت والدمار والمصير المجهول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق