مقالات

رأس السنة الايزيدية مناسبة عريقة

الاعياد الايزيدية والطبيعة

امين عبدو

الاعياد الايزيدية والطبيعة:

ان الاعياد الايزيدية وما يجري فيها من طقوس و ممارسات ومراسيم هي منسجمة ومترابطة بشكل كبير مع دورة الطبيعة وحركة فصول السنة من الاعتدال الربيعي،والانقلاب الصيفي،وما يرافقها من الاعتدال الخريفي والانقلاب الشتوي، ومنسجمة مع حبة القمح(دورة الحياة التي تعلمها الإنسان أول الأمر)، ومع مفهوم الحياة والموت بمعناها الكوني.وترتبط هذه الأعياد بالشمس والقمر والتغيرات المناخية وتأثيراتها على العملية الزراعية.

يوم الأربعاء وشهر نيسان في المعتقد الايزيدي:

تمثل قدسية الاربعاء في العلم الايزيدي لحظة الخلق الأولى في الكينونة والوجود٬وهو يوم مقدس لدى الايزيديين تتوقف فيه جميع الأعمال٬ وهو يوم للراحة والتأمل والعبادة.وشهر نيسان في الأيزيدية هو رمز استمرار الحياة والتجدد.ومن اشهر الربيع الجميلة حيث الأرض مكسوة بالنباتات والورود الملونة بأنواعها المختلفة.وبما أن هذا الشهر مقدس ولأن نيسان عروس الأشهر عند الايزيديين فلا تضاهيها عروس٬لا يتزوجون فيه ولا يحرثون أرضاً.اما بخصوص مغزى عدم الزواج في هذا الشهر٬ربما عدت الممارسات الجنسية فيه امتداداً للقوة الاخصابية النائمة التي بدأت تستعيد نشاطاتها و دفعاتها لتعود لسيرتها الأولى.والزواج المقدس هو تأمين لخصب المراعي والماشية٬مثلاً في استراليا يعتقدون لحد الان أن إله الشمس المذكر يهبط من عليائه مرة كل سنة ليحتضن إلهة الأرض المؤنثة.

إذن احتضان إله الشمس مع إلهة الأرض تجعل من الأخيرة حبلى بمئات الأصناف من الحشائش والأعشاب وثمار الأرض لتخرجها خيرات للبشر٬وهذا هو سر تحريم حراثة الأرض٬ وتحريم الزواج عند الأيزيديين في شهر نيسان إذ يقترن بزواج الملائكة(الآلهة)٬ وفي هذا الصدد يقول الأستاذ فواز فرحان: “في نيسان هناك تحولات كونية كبيرة في الفترة الواقعة بين أول نيسان الشرقي الى نهايته يكون هناك تزاوج بين الملائكة في حالات روحية عليا والايزيديون القدماء حرّموا الزواج على البشر في نيسان كي لا يشبّهون أنفسهم بالملائكة وحالات الزواج الروحية التي تحصل في الأعلى” .

كما أن الايزيديين يجرون في هذا الشهر مهرجانات الربيع(طوافات-جما)حول معابد القرى والمدن٬تبدأ في اليوم الثاني بعد عيد رأس السنة مباشرةً وتستمر إلى بداية شهر حزيران.اما في سنجار٬تقام هذه الطوافات في فصل الخريف.

رأس السنة الأيزيدية:

ومن المعروف أن ألسنة الحقيقة في الأيزيدية كانت ولاتزال تبدأ في الأول من نيسان الشرقي والتي تكتمل بدايتها مع الاعتدال الربيعي ويسمى الايزيديون هذا اليوم والذي يصادف في أول أربعاء من التقويم الشرقي الايزيدي٬يتأخر عن التقويم الغربي بثلاثة عشر يوماّ٬بعيد رأس السنة الأيزيدية أو سري سالي باللغة الأيزيدية٬ ولهذا التوقيت بالذات أهمية كبيرة عند الايزيديين ليس لأنه يوم عيد  بل لأنه يصادف بداية دورة جديدة من الدورات الشمسية على نطاق واسع وكذلك بداية ظهور تأثير الخصوبة على كوكب الأرض٬ ويتعلق بأبعاد واسعة من التأثيرات الفلكية على مجمل منظومتنا الشمسية وما تحتويه من كائنات ومخلوقات.وتمثل رأس السنة يوم الخلق المقدس لكل ما هو حي الكينونة والوجود على الاطلاق وليس في عالمنا المادي الأرضي وحده.

العيد… طقوس و مراسيم:

تجري التهيئة للعيد بكل معانيها المعروفة٬ من قيام العوائل بشراء الملابس وجمع البيض او شرائه مع صبغ البيوت وترتيبها وقبل العيد بيوم٬يقوم الشباب والشابات بجولات حول قراهم وبين التلول القريبة من القرية لجمع ازهار النيسان٬كما تقوم النساء بعمل الخبز الخاص بالاعياد الايزيدي يسمونه (سةوك) وتوزيعه على الجيران ترحماً على أرواح الموتى ويقمن بزيارة القبور ومعهن الخبز(سةوك) والبيض وأطعمة أخرى لتوزيعها فيما بينهن وعلى الناس الفقراء إشارة إلى تبادل الزاد والمحبة ولأجل أرواح الموتى.ويوزع في هذه الأيام اللبن أيضاً.اما الرجال فيقومون بنحر القرابين حسب الإمكانيات المادية .كما تقوم العوائل بسلق البيض والذي يرمز إلى تخثر وتجميد الأرض بواسطة خميرتها “لالش” وتلوينه بألوان الربيع الزاهية والذي يرمز إلى زينة الارض وجمالها والطبيعة الملونة في فصل الربيع.

وفي معبد لالش تقام مراسيم السما(طقس ديني) ومع إنشاد التراتيل الدينية يتم إيقاد القناديل أو الفتائل  و وضعها على الأحجار الموجودة في باحة المعبد الخارجية في سوق المعرفة من قبل الحاضرين وعددها 365 فتيلة بعدد أيام السنة. إذ يتحول گلي لالش إلى شعلة من النور لأستقبال العام الجديد معلناً ولادة الربيع وتجدد الحياة ونفح الحركة في السهوب التي غرقت في نوم طويل تحت غطاء كثيف من الثلوج والأعاصير والبرد القارس.

ومع صباح العيد الباكر ومع بزوغ خيوط الشمس٬يقومون بوضع الندى المتجمع على الحشائش على وجوههم علهم يعيدون شبابهم ٬ويستقبلون العيد بوضع قشور البيض الملون وأزهار النيسان ونبات كارى(اللاعية) بواسطة الطين على أبواب البيوت دلالة على احتفال أهل الدار بهذا العيد واستقبال الزائرين والبشارة بقدوم الخير والتجدد وابتهاجاً بالربيع والسنة الجديدة.بعدها يتعايد الأهالي والأصدقاء والأطفال في البيوت والمعابد٬ ويكثر اللعب بالبيض في الشوارع والبيوت بين الأطفال والشباب والشابات والمسنين ٬وكسر البيض يرمز إلى تحطيم وانفجار الدرة في بدء الخليقة. ويقوم الفلاحون في هذا العيد بزيارة الحقول والمزارع ونشر قشور البيض الملون بين البساتين لغرض زيادة الخير والبركة في الإنتاج الزراعي.كما يكرم رعاة الأبقار والاغنام في هذا العيد.

وقد انتقل هذه المناسبة الايزيدية ٬أي رأس السنة٬ إلى أقوام أخرى ومنهم السومريين وكانوا يحتفلون به بإسم (زاكموك) أي الولادة أو التجدد.والبابليين الذين احتفلوا بهذا العيد واختاروا له تسمية (اكيتو)وتعني الحياة.

*المصادر المستفادة:

1-فواز فرحان٬الايزيدية صدى الحضارة٬ط1.دار الكتاب الاول للطباعة والنشر٬كوترسلوه٬ المانيا الاتحادية٬ 2019 .ج8.

2-فواز فرحان٬ الايزيدية حقول المعرفة المقدسة٬ط1.دار الكتاب الأول للطباعة والنشر٬ كوترسلوه٬المانيا الاتحادية٬ ٬2016ج5. 

3-امين فرحان جيجو٬ القومية الأيزيدية جذورها مقوماتها معاناتها٬دار الكتب والوثائق٬ بغداد٬ 2010.

4-عزالدين سليم  باقسري ٬مةرگةه ٬ط1. دهوك٬ 2003.

5-خليل جندي٬ الدين الايزيدي٬ دار الرافدين٬بغداد.

6-جورج حبيب٬الايزيدية بقايا دين قديم٬ط1.مطبعة المعارف٬بغداد.٠1978

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق