مقالات

الصراعات السياسية على سنجار عبر العصور وانعكاساتها على الأهالي

امين عبدو

سنجار وأهمية موقعها:

سنجار مدينة عراقية ذات اغلبية ايزيدية، تقع غربي محافظة نينوى بنحو (120) كم، ويرجع الباحثين اصل هذه المدينة إلى اكثر من ست آلاف سنة وهي من المدن القديمة جداً في الشرق الأوسط. وتتمتع المدينة بموقع جغرافي وحربي مهم يتوسط الصحراء، واهمية ستراتيجية وتمتاز بأراضيها الخصبة ومناعة جبلها، مما جعلها مطمع انظار اطراف وقوى متعددة من أجل احتوائها والسيطرة عليها.

الصراعات على سنجار حتى نهاية الخلافة العثمانية:

خضعت سنجار منذ تاريخها الطويل لحكم وإدارة العديد من الحضارات والامبراطوريات والقوى، كالإمبراطورية الاشورية والحيثية والرومانية والفارسية والكلدانية، وبعد ظهور الإسلام غزاها المسلمون عام ٦٣٩م وكانت سنجار تاريخئذٍ بيد الفرس.

بعد ذلك حكمت هذه المدينة من قبل الكثير من الحكماء والدول والإمارات الإسلامية أثناء الخلافة العباسية وبعدها (749 – 1517م)، ثم دخلت تحت حكم الخلافة العثمانية اكثر من أربعة قرون (1918-1516م) لتبدأ حقبة جديدة من الويلات والحملات العسكرية والإبادات حتى دخول البريطانيين إلى العراق (1918م) وتشكيل الدولة العراقية عام (1921م).

وأثناء حكم جميع هذه الدول والإمارات وبخاصة الخلافة العباسية ثم الخلافة العثمانية؛ تعرضت سنجار إلى الدمار والخراب والحرق والنهب؛ وتعرض أهلها إلى الإبادات والكوارث والحملات العسكرية المستمرة. وكانت هذه المدينة في كل مرة تعود إلى دورة الحياة من جديد لتبني اكثر مما مضى من تاريخها، وسرعان ما كانت تنهض من كبوتها لتستقبل غزوة همجية أخرى.

في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة:

تعرضت سنجار إلى الإهمال والتهميش والاضطهاد في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة كما شهدت حملات تهجير وتعريب في سبعينيات وثمانييات القرن الماضي واحاطتها بالمستوطنات العربية وقامت بتهجير وترحيل سكان القرى الايزيدية في القضاء واسكانهم في مجمعات قسرية في جنوب الجبل وشماله؛ وكذلك إلى خارج القضاء.

من عام 2021-2003، الصراع والغزو والإبادة:

بعد سقوط النظام السابق ووضع المادة 140، اصبحت سنجار من ضمن المناطق المتنازع عليها بين حكومتي المركز والاقليم واهملوا المدينة وانشغلوا بصراعاتهم إلى أن تعرض اهلها إلى إبادة جماعية على يد داعش في آب 2014 بعد هروب (البشمركة والقوات الأمنية الاخرى) منها.

وبعد غزو داعش للمدينة وحدوث إبادة بحق الايزيديين وهروبهم إلى الجبل ومحاصرتهم فيه، تدخل مقاتلو حزب العمال الكردستاني (PKK) وأسهم بحوالي 500 مقاتل من الوحدات التابعة له وتطوع المئات من المقاتلين الايزيديين المحليين، حتى باتوا قرابة الخمسة آلاف مقاتل، موزعين على الشكل الآتي: وحدات مقاومة سنجار(YBŞ) والحشد الايزيدي، ووحدات حماية المرأة في سنجار (YJŞ)، وثمة فصيل عربي صغير تابع لهذه القوة يسمى “النوادر”، وهم من عشيرة شمر العربية التي يتحالف زعيمها المحلي في سوريا “حميدي دهام الهادي”، مع وحدات حماية الشعب (YPG) الكردية السورية، التابعة أيضاً لحزب العمال
الكردستاني، وقد أسهمت هذه الوحدات بشكل كبير في فك الحصار عن جبل سنجار وإنقاذ آلاف الايزيديين من الإبادة وايصالهم إلى مناطق آمنة في شمال العراق.

وفي يوم ٢٠١٤/١٢/١٩ تم فك الحصار عن الجبل (من قبل المقاومة الأيزيدية بمساندة التحالف الدولي) والذي فرضه داعش أكثر من ٣ اشهر وجاءت بيشمركة وفرضت نفسها على سنجار للمرة الثانية بعد ٢٠٠٣.

في أكتوبر “تشرين الثاني” من العام 2015 استطاعت القوات المشتركة بالتعاون مع التحالف الدولي تحرير مدينة سنجار. وفي أغسطس من عام 2015 طالبت المؤسسات التابعة لحزب العمال الُكردستاني بأن يتم تشكيل كانتون (اقليم) خاص بسنجار وبقية المناطق الايزيدية، وغير تابع لإقليم كردستان العراق، هذه المطالبة رفضت من قبل حكومة الاقليم واعتبرها تدخلاً من قبل PKK في شؤون الإقليم، وقد يؤدي الى مواجهة غير حميدة بين “الأخوة”.

بقيت الأمور على هذا المنوال، من هيمنة مشتركة على المناطق الايزيدية، بين قوات البيشمركة و”وحدات حماية شنكال”، إلى أن حصلت أحداث 17 أكتوبر من العام 2017، حين أعاد الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي السيطرة على المناطق المتنازع عليها، في محافظة كركوك والمناطق الايزيدية في محافظة نينوى وهربت بموجبها قوات البيشمركة للمرة الثانية من هذه المناطق، بينما حدثت تفاهمات بين فصائل الحشد الشعبي وقوات حماية شنكال.

حكومة اقليم كردستان:

ترى حكومة الاقليم أن سنجار ومحيطها جزء طبيعي من المناطق الايزيدية في إقليم كردستان العراق، وجزء من مناطق نفوذه التقليدية وبالتالي هي القوة الشرعية الوحيدة التي يجب أن تسيطر على تلك المناطق.

تركيا تساند “حكومة الاقليم” في إعادة هيمنتها على المناطق، وذلك لتقطع الطريق على حزب العمال الذي قد تؤدي سيطرته الى قطع الطريق بين تركيا والمناطق التركمانية شمال العراق، وتقوم تركيا منذ عام 2017 بقصف مناطق الايزيديين في سنجار بحجة الـ (PKK) وتدخل الخوف والقلق في قلوب الاهالي.

حزب العمال:

بدوره يسعى (PKK) الى زيادة مناطق نفوذه وهيمنته العسكرية في أكثر من دولة إقليمية، فهو وبمساحة سيطرته الفعلية على مناطق شاسعة من المناطق الكردية في شمال سوريا، أعاد تنظيم أدواته كلاعب فاعل في توازنات القوى في المنطقة، وأحيا بزخم أكبر صراعه التقليدي مع الدولة التركية، ولحزب العمال أكثر من هدف من السيطرة على جبل سنجار منها؛ توسيع مناطق نفوذه للوقوف بوجه تركيا، وفرض الزرادشتية على الأيزيدييين.

الحكومة الاتحادية العراقية:

الحكومة المركزية العراقية ترى نفسها صاحبة السيادة الوحيدة على مناطق العراق كافة، ومن ضمنها طبعاً منطقة سنجار وبقية المناطق ذات الأغلبية السكانية الايزيدية في غرب محافظة نينوى، وأن كل القوى العسكرية التي لا تحصل على موافقة السلطة المركزية العراقية يجب أن تحل وتفكك.

بدورها فصائل الحشد الشعبي ترى انها تمثل سلطة الدفاع عن سيادة العراق الشرعية، بحسب قانون الحشد الشعبي الذي اصدره البرلمان العراقي.

الأهالي، العودة رغم الصراعات والمصير المجهول:

بين تلك الصراعات، يعيش مئات الآلاف من أبناء الديانة الايزيدية، المحرومين من أشكال الحياة الطبيعية، بما في ذلك الحق بالحياة، وهم قلقين بشأن مستقبلهم المجهول في ظل هذا الكم الهائل من صراعات القوى والاطراف والاحزاب والعساكر، إلا أن كل ذلك لم يكسر إرادة الاهالي من العودة وبناء مناطقهم تدريجياً.

وهكذا “كان سكانها يعودون في كل مرة من جديد ليعلقوا جراحهم ويعيدوا ترتيب مدينتهم لكي لا تطمس هوية هذه المدينة او يغيب سكانها، بل واصلوا وجودهم الأزلي بعد ذلك ليسجلوا للقادمين الجدد فشل كل عمليات الحصار والابادة والإرهاب والتدمير والتطهير العرقي، لتبقى المدينة شهادة إنسانية لبقاء الشعوب”.

المصدر
خلدون سالم النيساني؛ الايزيديون التاريخ والإبادات - سنجار انموذجاً؛ ط١؛ دار الروسم؛ ٢٠١٦؛ بغداد.سعد سلوم، مع دخول اطراف اقليمية ودولية، هناك مخاطر لتطور الصراع في سنجار، 2019، مقال منشور على النت على موقع المونيتور.رستم محمود، مناطق سنجار الايزيدية، مساحة صراع بين دول الجوار العراقي، 2019، مقال منشور على النت على موقع اندبندنت.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى