مقالات

الغربة في الوطن

نوزد حجي

الأغتراب هو ان يترك الإنسان المكان الذي تربى به ونشأ وترعرع فيه وشم هواءه والشرب من مياهه مرغماً بسبب الظروف، منها الحرب والنزاعات الداخلية، فيظل الإنسان يشتاق لبيئته ويحن اليها والوطن او المنطقة التي يسكنها حتى وإن كانت صحراء قاحلة وتفتقر لابسط مقومات الحياة لكنها وطن، ويشعر بالطمأنينة فيها، والشاعر ابو فراس الحمداني عندما تم أسره في احدى المعارك وشاهد حمامة على غصن شجرة فاخذ يحاكيها قائلا:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا هل بات حالك حالي

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منكِ الهموم بالبال

أتحمل محزون الفؤاد قوادم على غصنٍ نائي المسافة عال؟

أياجارتا، ما أنصف الدهر بيننا تعالي اقاسمك الهموم تعالي

تعالي تري روحاً لدي ضعيفة تردد في جسم يعذب بالِ

أيضحكُ مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سال

لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلة ولكن دمعي في الحوادث غالٍ.

وهذا دليل على ان الشوق والحنين يعتصر قلبه لوطنه والتهجير والغربة لا يكون في الخارج فقط وانما داخل الوطن وهذا التهجير والغربة اشد ألماً للإنسان لانه جاء من ابناء الوطن، ويقول الشاعر عندما تعرض لظلم من قرابته:

وظلم ذوي القربى اشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

يعني الظلم من ابناء الوطن اشد وقعا من ضرب السيف للجسد والادهى والأمر عندما نشتاق للمدينة او المنطقة وهي خالية ممن نحب، غيبهم عنا الموت، تصبح المنطقة لا تطاق ويعود هذا الامر للوفاء والاخلاص في نفس الشخص حيث تهيج مشاعره عندما يمر ذكراهم، ولأنه لا شيء أصعب في الدنيا من الموت والفراق الأبدي يبدأ الندم والألم والحزن يخيم على قلوبنا والأفكار تغزو عقولنا، مثيرة الكثير من الأسئلة التي لا تنتهي، لتثير الجرح وتنبش في طيات الماضي، فنلوم النفس على عدم وجودنا بالقرب ممن نحب وبعدنا عنهم، ونعيش على خزائن ذكرياتهم المتراكمة في مخيلتنا وما يختزنه عقلنا الباطن من ذكريات الماضي وارهاصات واقعه المؤلم حيث تبقى الذكريات التي لا تموت وجعاً وغصة داخل الإنسان لذلك يلجأ الكثيرون للإبحار بين طيات الصور لاستعادة الذكريات التي خلت وعاشوها مع أحبتهم للترحم عليهم والتغلب على أحزانهم، ويقول الشاعر في فقد احبته:

‏تذكــرت أيام الوصالِ بقربــــــكم
فهيّج قلبي في الغرامِ لهــــيبُ

فوالله ما كان الفـــــــراقُ بقاتلي
لكن تصريف الزمانٍ عجـــــيبُ

جرى قَلمُ الفراقِ علي ببعدكُمْ
وجاءتْ سهام البينِ فينا تصـــــيب

فإن غبتُمُ عنّي جفا النومُ ناظري
وعيشٌ بلا الأحبابِ كيفَ يطيبُ

حيث تصبح الحياة والفضاء الواسع لا تتسعان همومنا والالم الذي في صدورنا.

ومن سلبيات الغربة هي فرض حياة على الانسان لا يودها وبيئة لا ينتمي إليها ولا يتأقلم مع واقعها وصعوبة العيش وتوفير حياة كريمة له ولعائلته لكنها تعلمنا وتبين لنا حقيقة بعض الاشخاص ومن يقف معنا في الظروف الصعبة حيث تظهر حقيقة الناس على ما هي عليه وهذه من الإيجابيات حتى نعرف من هم بجانبنا للمصلحة ويبقى الهاجس الوحيد الذي يلازمنا هو الحنين وعلينا التحلي بالصبر لان الدنيا متقلبة ولا تبقى على حال واحدة ومهما ابتعدنا عن الوطن او المنطقة التي تم تهجيرنا منها تبقى النفس تتأمل الرجوع يوما لها وتقبيل تربتها

أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الامل

فالامل هو النافذة الوحيدة التي تبقينا على قيد الحياة حيث يمكن للإنسان أن يعيش بلا بصر ولكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمل.

والآمال العظيمة تصنع الاشخاص العظماء..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى