تقارير

11 عاماً على “الإبادة”.. الايزيديون عالقون في قلب “المأساة” تتهددهم صراعات الداخل والخارج

نصف مليون نازح ومهاجر، وعائدون يعانون من سوء الخدمات والبطالة وضبابية المستقبل

 

 

شبكة نيريج للصجافة بالتزامن مع مؤسسة ايزيدي 24 الاعلامية 

 نوروز سنجاري

خرج قائد الفرقة 20 في الجيش العراقي، اللواء أثير حمزة الربيعي، معترضاً من مراسم إحياء ذكرى الإبادة الجماعية الحادية عشر للايزيديين التي جرت في سنجار،  بسبب محتوى بيان المجتمع الايزيدي الذي انتقد انسحاب القوى العسكرية والأمنية في مطلع شهر آب/أغسطس من عام 2014، ما أدى الى مقتل وخطف واستعباد آلاف الايزيديين.

عَكَسَ ذلك المشهد حجم الخلافات والحساسيات، التي تحضر بقوة في كل ما يرتبط بواقع الايزيديين وسكان منطقة سنجار التي تعرضت لعمليات ابادة على اساس ديني استهدفت بشكل خاص الايزيديين، ارتكبها تنظيم “داعش” أبان سيطرته على المنطقة التي تعد الموطن التاريخي للايزيديين.

واعتادت السلطات العراقية، ان تنظم في سنجار غربي محافظة نينوى، في الثالث من آب/أغسطس من كل عام، احتفالا تأبينيا بمشاركة مسؤولين مدنيين وعسكريين فضلا عن مئات الايزيديين اغلبهم من ذوي الضحايا الذين قدموا من مدن اقليم كردستان حيث يعيشون كنازحين منذ 11 عاماً في ظروف صعبة لكنها أقل قسوة، كما يقولون، من العودة الى بيوتهم المدمرة التي تحيطها مقابر أبنائهم المقتولين وذكرى أطفالهم المغيبين.

جل الذين تجمعوا، وهم يرتدون بعكس العادة ملابس سوداء، كانوا قد نجوا من عمليات القتل الجماعي، لكنهم وقعوا أسرى النزوح وحياة المخيمات، وكوابيس استغاثات أطفالهم المختطفين، ومخاوف عودة “التكفيرين” لمناطقهم واستباحة دمائهم، وسط تصارع القوى الأمنية مختلفة الولاءات على مناطقهم.

وتشكل ذكرى الإبادة، مناسبة للايزيديين، لتذكير السلطات العراقية بأن نحو نصفهم مازالوا نازحين يعيشون في المخيمات، وان سنجار والكثير من قراها ماتزال مدمرة، وان سكانها يعانون من الفقر والبطالة، ويفتقدون للخدمات الصحية والبلدية والتعليمية، بينما ينتظر الآلاف دورهم في قوائم تقديم التعويضات.

يأتي ذلك مع استمرار الصراع الداخلي على المنطقة بين القوى المسلحة العراقية المختلفة، وفي الخلفية يظهر التنافس الاقليمي ببعده الأمني والاقتصادي، في وقت تتكرر وعود المسؤولين العراقيين بضمان حقوق الأقلية الايزيدية المهددة في وجودها، ودعم مشاريع اعادتهم لوطنهم، دون ان تجد لها أثرا واضحا على الأرض.

 

متعودون على الانسحاب

ردة فعل قائد الفرقة 20، خلال احتفالية العام الحالي، أثارت موجة من الامتعاض لدى الكثير من الايزيديين. ناشطون علقوا:”نحن معتادون على سماع أخبار الانسحابات. والقوات الأمنية معتادة على الانسحاب”.

قتل بسبب ذلك الانسحاب السريع والمفاجئ أكثر من 5000 مدني إيزيدي، وخطف نحو 6000 آخرين نصفهم من النساء والأطفال الذين تعرضوا طوال سنوات وجودهم تحت يد مقاتلي التنظيم “للاستعباد”، ومايزال نحو 2500 شخص في عداد المفقودين.

بينما علق ناشط ايزيدي (أ.ج) قائلا: “هم تخلوا عنا في 2014 ومازالوا، فسنجار مدمرة بلا خدمات ولا فرص عمل، وتخضع لتقسيمات أمنية وتواجه خطر اندلاع صراعات، ثم يسألون لماذا لا يرجع الايزدي الى منطقته؟ ولماذا يريد الهجرة أو يتشبث بظل خيمة تأوي عائلته؟”.

ويستذكر الايزيديون، كيف فروا خلال ساعات الى جبل سنجار، وكيف قضوا اياما بلا طعام ولا ماء ولا مأوى في درجة حرارة تقارب 45 مئوية يتهددهم الموت، بينما كان مقاتلو داعش يطوقون الجبل وينفذون عمليات قتل جماعية لكل من يقع بين أيديهم، قبل ان يتمكن مقاتلون من حزب العمال الكردستاني ومن وحدات حماية الشعب الكردي السورية، من فتح طريق آمن نحو المناطق الكردية في سوريا، عبر خلاله عشرات آلاف المدنيين لينجوا بحياتهم.

ولاحقا مع استعادة القوات الأمنية العراقية بصنوفها المختلفة بما فيه قوات البيشمركة والحشد الشعبي للمنطقة أواخر العام 2015، تحولت سنجار الى مقاطعات أمنية سيطر على بعضها قوات ايزيدية تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني واخرى موالية لحزب العمال الكردستاني تحت اسم “وحدات مقاومة سنجار”، كما اكتسبت قوات الحشد الشعبي ذات الأغلبية الشيعية نفوذا غير مسبوق في المنطقة وكامل مناطق غربي وشمال شرقي نينوى.

وعلى الرغم من مرور نحو عشرة أعوام على تحرير مدينة سنجار، الا أن السكان العائدين يقدرون بنحو 35% من مجموع النازحين فقط، ولا يزال 65% يعيشون في مخيمات تتوزع بشكل خاص على مناطق زاخو ودهوك باقليم كردستان، وتشير أرقام حكومية الى ان أكثر من 325 الف شخص مازال نازحاً، وان 135 الفا منهم مازالوا يعيشون في المخيمات، بينما هاجر أكثر من 120 الف الى خارج البلاد.

ووفق الإحصاءات الرسمية، اختطف تنظيم داعش 6.417 إيزدياً خلال سيطرتهم على سنجار ومحيطها في مطلع آب 2014 بينهم 3.548 رجلاً و2.869 امرأة، وتم انقاذ 3.590 شخصاً، بينهم 1.211 امرأة و339 رجلاً، إضافة إلى 1.076 فتاة قاصر و964 فتى قاصراً، حتى آب 2025، بينما ما يزال 2.553 إيزديا في عداد المفقودين بينهم 1.329 رجلاً و1.224 امرأة.

 

تعدد القوى الأمنية وحكم الجولاني

يصف الصحفي الايزيدي بركات عيسى، واقع سنجار بـ”السيء جدا”، مرجعا ذلك الى الخلافات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية على ادارة المنطقة المتنازع عليها دستوريا، خاصة مع فشل تطبيق بنود اتفاقية سنجار الموقعة من الطرفين، والتي مثلت خارطة طريق لاعادة الحياة للمنطقة المدمرة.

ويضع عيسى، سببين لفشل تطبيق الاتفاقية رغم الدعم الدولي والأممي الذي حظيت به “الأول يتمثل في رفض الكثير من أهالي سنجار لبعض بنود الاتفاقية، والثاني لوجود تدخلات من أطراف خارجية”، مبينا ان الصراعات المستمرة بين الأطراف المختلفة في سنجار أثرت على عمليات اعادة بناء البيوت المدمرة وتوفير الخدمات الأساسية وحتى تعويض المتضررين.

ويشير الى تأثير تعدد مصادر القوى على استعادة الحياة في سنجار: “هناك الكثير من الميليشيات والقوى المسلحة والجهات العسكرية ذوي الايديولوجيات والعقائد المختلفة تنتشر في المدينة وتجمعاتها السكانية وتخضعها لارادتها”.

الى جانب تلك المشاكل، تبرز ايضا أزمة ندرة المياه وانهيار البنية التحتية لسنجار خاصة في قطاع الكهرباء التي تنقطع لساعات طويلة، متسائلا :”في منطقة كان سكانها يعتمدون على الزراعة والرعي كمصدر عيش أساسي، كيف لهم وسط تأثيرات الجفاف استعادة حياتهم؟.. كيف لهم ايجاد فرص عمل؟ والعيش بدون ماء وكهرباء وخدمات”.

وينبه عيسى الى أن المجتمعات التي تتعرض للإبادة، تحتاج الى زمن طويل لاستعادة ثقتهم بمحيطهم “لكن الوقائع على الأرض لا تمنح الضحايا الثقة، هنا الناس يعتقدون ان ابادتهم ما تزال مستمرة، لأن الخطر لا يزال موجودا، والخلافات الكردية الشيعية السنية مستمرة، كما ان وصول الجولاني للحكم في سوريا المجاورة وبدعم من آلاف المقاتلين الذين كانوا في صفوف تنظيمي داعش والقاعدة، تثير المخاوف لدى الايزيديين من تكرر الإبادات، فهؤلاء لم يتغيروا وجرائم الساحل السوري والسويداء تؤكد ذلك”.

 

تَقَلُب الموازين وتعطل اتفاقية سنجار

منذ العام 2003 تحولت سنجار بما تحمله من أهمية جيوسياسية بحكم وجودها على الحدود السورية ولقربها من تركيا وكونها نقطة فصل بين المناطق الكردية والعربية، الى منطقة صراع بين مختلف القوى السياسية العراقية خاصة تلك التي تملك أذرعا مسلحة، وازداد الصراع حدة بعد العام 2015 حيث برزت قوى جديدة.

كانت الهيمنة الأمنية في سنجار حتى العام 2014 تعود لقوات البيشمركة الكردية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي ضمت في صفوفها مقاتلين ايزديين، لكن بعد هجوم تنظيم داعش ومن ثم عمليات تحرير المنطقة التي استمرت لغاية 2017، تغيرت موازين القوى وفقد الديمقراطي ومعه حكومة اقليم كردستان سيطرتها شبه المطلقة على سنجار ومعظم مناطق سهل نينوى، وبرز نفوذ الحشد الشعبي وقوى ايزيدية مستقلة الى جانب نفوذ الحكومة الاتحادية الممثلة بالجيش والشرطة والادارة المحلية.

مع انهاء وجود تنظيم داعش، عملت حكومة الاقليم ومن خلفها الديمقراطي الكردستاني على استعادة نفوذها في هذه المنطقة الجيوسياسية المهمة، وبعد سنوات من التفاهمات الجانبية الأمنية والادارية في هذه المنطقة المتنازع عليها وفق الدستور العراقي، وقعت حكومة كردستان مع الحكومة الاتحادية على “اتفاقية سنجار” في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2020، والتي تضمنت بنود أمنية وإدارية، أبرزها ابعاد الفصائل المسلحة خارج حدود القضاء وانهاء وجود الفصائل الايزيدية المدعومة من حزب العمال الكردستاني والمعروفة بوحدات مقاومة سنجار (يبشة) في سنجار ومحيطها باعتبارها فصائل خارجية. وهي بنود أفشلت تنفيذ الاتفاقية كما يقول مراقبون.

وكانت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، قد دعت حكومتي اربيل وبغداد الى “المضي في تنفيذ اتفاق سنجار”، عادةً ذلك خطوة حيوية نحو تحسين الظروف المعيشية وتهيئة الأرضية لعودة النازحين.

وذكرت البعثة في بيان، ان المكون الايزيدي “لا يزال يواجه عقبات تحول دون عودته إلى دياره، حيث يعاني من انعدام الأمن وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية”، كما اشارت الى أهمية تحقيق المساءلة والعدالة “ومحاسبة مرتكبي الجرائم”.

 

إحباط وتفكير دائم بالهجرة

يقول الصحفي أحمد شنگالي، ان الايزيدي يعيش اليوم مرحلة احباط لم يعرفها في حياته حتى في العام 2014، فمنذ ثمانية أعوام لم يحصل تغيير ايجابي في واقع الايزيدية، بل توسعت دائرة الصراع خاصة بين اربيل وبغداد، لتلقي بتبعاتها على حياة السكان.

مع ذلك الصراع، يصف شنگالي واقع سنجار بالبائس “هي بلا إدارة، بلا خدمات، بلا اقتصاد، بلا مشاريع انتاجية، بلا مستقبل، وتتراكم الوعود التي لا تجد طريقها للتنفيذ، فيتردد النازحون في العودة، ويهاجر من يجد سبيلا لذلك”.

يضيف: “الى اين يعود؟ وكل مقومات الحياة الكريمة مفقودة، بينما حكومتا اربيل وبغداد في صراع دائم حول الملف، وحولوا النازحين الى مجرد ورقة سياسية او انتخابية”. ويتابع :”لو كانت طرق الهجرة الشرعية أو حتى غير الشرعية مفتوحة لهاجر غالبية الايزيديين وبلا تردد.. جيل كامل كبر ولم يعرف غير حياة المخيم، هو يفكر دائماً بالهجرة كطريق وحيد للخلاص”.

ويرى شنگالي، ان أكثر ما يؤثر على مسألة العودة، الى جانب الملف الخدمي وانعدام فرص العمل، هو الانقسام الأمني وتعدد مواقع النفوذ في سنجار، بوجود جهات مسلحة مختلفة الولاءات، تتصارع فيما بينها، الى جانب التدخلات الخارجية (التركية- الايرانية).

ويحدد شنگالي خارطة التوزيع الأمني على الأرض التأريخية للايزيديين:”هناك قوات البيشمركة التابعة لقاسم ششو والتي تتمركز في مزار شرف الدين على الجبل، وقوات حماية ايزيدخان (أسايش ايزيدخان) بقيادة حيدر ششو وهي تتبع أيضا قوات البيشمركة، وهناك قوات وحدات (مقاومة سنجار) الايزيدية وهي جزء من منظومة الحشد الشعبي، كما تتواجد الشرطة والجيش العراقي في داخل المدينة وأطرافها، وهناك قوات حرس الحدود في المناطق الحدودية، الى جانب تواجد قوات الحشد الشعبي على أطراف المدينة”.

 

ممثلون عاجزون وحكومات متفرجة

ويحمل الصحفي أحمد شنگالي، الذي شهد أحداث سنجار ومعارك الجبل ووثق التحولات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة طوال 20 عاما، المسؤولين الايزيديين جزءا كبيرا من مسؤولية فشل تحسين أوضاع شعبهم وإبراز قضيتهم التي وصلت الى مرحلة فناء وجودهم على أرضهم.

يقول: “النواب والمسؤولون فشلوا في تمثيل قضية شعبهم وتحقيق أي من مطالبهم، وأصبحوا أدوات لأحزابهم التي ترفض الإقرار بمطالب الايزيديين”، عادا عدم وجود قيادة ايزيدية موحدة “المعضلة الأكبر”.

يضرب شنگالي، مثالا على ذلك “هم ليسوا منقسمين بشأن تحديد هويتهم القومية فقط، بل حتى في اوليات مطالبهم، التي تحددها أولويات إنتماءاتهم الحزبية”. ويضيف :”فشلوا حتى في تسريع ملف فتح المقابر لإنهاء معاناة آلاف الضحايا”.

وبحسب مصادر رسمية، اكتُشفت 93 مقبرة جماعية تعود لضحايا التنظيم بقضاء سنجار، إلى جانب عشرات المقابر الفردية، بينها 52 مقبرة لم تُفتح حتى الآن وفق المعايير الدولية.

ومع آلية العمل الحالية، سيتطلب فتح جميع المقابر وكشف هويات أصحابها عدة سنوات أخرى، قبل ان يتيقن عوائل الضحايا من مصير أبنائهم، اذا كانوا مقتولين أم مخطوفين يمكن ان يكونوا في أي مكان بسوريا او تركيا او حتى أوربا.

من جانبه يُرجع مؤسس بيت التعايش د.ميرزا دنايي، الاحباط الايزيدي، والذي يترجم بعدم رغبة أكثر من نصف الذين نزحوا في 2014 على العودة لمناطقهم الأصلية، الى غياب برنامج حكومي لا تقيده التجاذبات السياسية والصراع على السلطة.

ويقول: “الايزيدية لا يتلقون من الدولة غير الوعود، وفي النهاية تفرض دهاليز السياسة نفسها وتحدد مصالح الآخرين مصير الايزيدية”، مردفا :”لو توفر برنامج حكومي حقيقي يدعم العودة، لعاد غالبية النازحين”.

وينبه، د ميرزا، الذي نشط من بداية هجمات داعش في مجال الدفاع عن الايزيديين وحمايتهم من الابادة، ان التجارب العالمية تظهر أن “أية عملية نزوح او هجرة حتى لو كانت قسرية، تخلف وراءها نسبة نازحين غير راغبين بالعودة تقدر بين 20 الى 30% يقررون الاستقرار في المجتمعات المضيفة، هذا طبيعي لكن حين تكون النسبة أكبر فان هناك مشكلة كبيرة”.

واعلنت الحكومة العراقية، رغبتها في انهاء ملف النزوح قبل نهاية العام الحالي، من خلال اغلاق 22 مخيما يضم النازحين حاليا. وبحثت “اللجنة العليا لمساعدة ودعم النازحين في العراق” فكرة الإغلاق في اجتماع عقدته في 20 آب/ اغسطس في وزارة الهجرة والمهجرين العراقية.

وقال المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين علي عباس جهانكير، ان اللجنة تسعى وبالتنسيق مع اللجان المشكّلة مع إقليم كردستان، الى إغلاق ملف النزوح “والتعامل مع العائلات الموجودة في المخيمات والتي لا ترغب بالعودة حتى نهاية العام الحالي، كمقيمين في المحافظة التي يسكنون فيها، وأن لا يتم اعتبارهم نازحين”.

لكن حكومة إقليم كردستان ترفض بشدة تلك الخطوة، وتعدها بمثابة شروع بإحداث تغيير ديمغرافي في مناطق المكونات المسيحية والايزيدية التي يعيش سكانها الأصليون مجبرين في المخيمات التي تضم نحو 18 ألف عائلة.

ويحذر د ميرزا، من أي اجراءات قسرية بشأن النازحين، ويشدد على حسم الملف من خلال تشجيعهم على العودة وليس إجبارهم: “العودة يجب ان تكون طوعية، وان تقوم السلطات بإنهاء ملف النزوح والمخيمات عبر دعم الاستقرار في سنجار وتقديم كافة التسهيلات القانونية والأمنية والاقتصادية لإعادة الحياة اليها”.

ويرى ان ذلك يتحقق من خلال برنامج وطني متفق عليه بين جميع الاطراف وبموافقة الايزيدية وأهل سنجار أنفسهم، يتضمن “ازالة أثار الابادة وتحقيق العدالة ورفع الغبن عن كل من تضرر من هذه الجريمة”.

 

العدالة المفقودة

ويشكو غالبية الايزيديين من عدم “تحقيق العدالة” لهم، والفشل في محاكمة مرتكبي جرائم القتل، وازداد ذلك الشعور مع اقرار قانون العفو العام في شباط فبراير 2025 والذي يعتقد نشطاء ايزيديون انه سيمكن مئات من مقاتلي داعش الذين فشلت المحاكم المحلية في ادانتهم بجرائم الارهاب، من الافلات من العقاب والعودة الى حياتهم السابقة.

يقول مراد إسماعيل، مؤسس أكاديمية “شنكال” ان 12 الف شخص قُتل أو استُعبد، لكن تم النظر في أقل من 10 قضايا أمام المحاكم على الصعيدين الوطني والدولي، مشيرا الى إن قانون العفو العام الذي اصدرته الحكومة يشمل عناصر داعش، قائلا ان الآلاف منهم سيصبحون أحرارا دون ان يلقوا حسابهم.

وينتقد اسماعيل، في ندوة حوارية عقدت في أمريكا، خطوة الحكومة العراقية بانهاء عمل فريق التحقيق الأممي في جرائم داعش، قائلا: كنا نضع الآمال على فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) لتوثيق الجرائم للمضي في تحقيق العدالة، لكن الحكومة العراقية قامت بحله.

ويرى ان المناطق الايزيدية أصبحت ميدانا لصراع محلي واقليمي، موضحاً “أصبحت محل صراع على المستوى المحلي بين الكرد والحكومة العراقية، وعلى المستوى الإقليمي بين تركيا وإيران، والآن دخلت سوريا أيضاً في المعادلة”.

وأردف، في اشارة الى التهديد الذي يطال حقوق الاقليات نتيجة التهميش السياسي وغياب دولة المواطنة، قائلا: “العراق دولة شيعية وسنية وكردية؛ ليس دولة مسيحيين أو إيزيديين”.

 

دمار وغياب للإدارة

منذ 2017 يلقي المسؤولون العراقيون تعهدات باعادة اعمار سنجار وقراها المدمرة، لكن الواقع على الأرض يرسم صورة مغايرة، فمازالت أطلال عشرات البيوت المهدمة على حالها، وفي المنطقة القديمة يبدو الدمار شاملا، فالمباني المنهارة تسد العديد من الطرقات، وبين ركام المنازل تجد أشياء شخصية، ملابس وصور والعاب متناثرة، تذكر المارين بحياة مضت ولن يتم استعادتها أبداً.

في مناطق أخرى، هناك طرق جرى تعبيدها حديثا، وارتفعت أبنية جديدة، لكن القطاع الخدمي مازال ضعيفا، المياه شحيحة، والقطاع الصحي يعاني بشدة مع تلكؤ تنفيذ مستشفى سنجار.

تشير مصادر شبه رسمية، ان نسبة الدمار التي حصلت في سنجار بسبب سيطرة تنظيم داعش، وصلت الى نحو 75%، وذكرت وكالة الأمم المتحدة للهجرة، أن داعش دمر “80% من البنية التحتية العامة و70% من منازل المدنيين في مدينة سنجار والمناطق المحيطة بها”، ومازالت البنية التحتية للمنطقة تعاني من دمار كبير “ما يضع تحديات في الوصول إلى المياه الصالحة للإستخدام والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والتي تجبر العوائل على التركيز على تلبية احتياجاتهم الملحة بدلاً من إعادة بناء حياتهم بشكل هادف”.

تحديات استعادة أهالي المنطقة لحياتهم والمرتبطة بضعف الأداء الحكومي، لا تقتصر على توفير الخدمات، بل تشمل الفشل في ادارة ملف تعويض المتضررين وهو أمر حاسم في مسألة العودة.

وبحسب احصائيات دائرة التعويضات في سنجار تم انجاز اكثر من 40 الف معاملة تعويض، لكن تم صرف 4 آلاف منها فقط، وشهدت عملية الصرف بطئاً واضحاً أدى الى تراكم المعاملات.

الناشطة المدنية ليلى كرو، تنبه الى نقطة أخرى تثير قلق الايزيديين وتدفع الكثيرين منهم للهجرة بدل التفكير بالاستقرار، وهي خطابات الكراهية التي تنتشر في المجتمع في إقليم كردستان، خاصة في السوشيال ميديا، دون ان تجد من يوقفها.

تقول ان “عدم ثقة الايزيدي لا ترتبط بمواقف القوى السياسية فقط، بل ايضا بطبيعة تعاطي المحيط الاجتماعي معهم، فبين فترة واخرى يتعرض الايزيديون لموجات من خطابات الكراهية في اقليم كردستان وباقي مناطق العراق، وهي تشعرهم بعدم الأمان، خاصة مع غياب أية اجراءات قانونية بحق أصحاب ذلك الخطاب”.

وتحمل “ليلى” مثل نشطاء آخرين، جزءا من مسؤولية تردي واقع الايزيدية، لممثليهم في الدولة من مسؤولين ونواب. تقول :”لقد فشلوا في الحصول على حقوق الايزيديين، فشلوا جميعا سواء الأحزاب الايزيدية أو الايزيديون المنتمين لأحزاب اخرى”، مشيرة الى ان الفشل هو النتيجة المتوقعة لإنقساماتهم وتفضيلهم لمصالحهم على مصلحة المكون الايزيدي.

ويعاني الايزيديون من غياب قيادة موحدة تمثلهم، حيث تأسست في العقدين الماضيين عدة أحزاب ايزيدية متنافسة كل لها توجهاتها السياسية والفكرية المختلفة ولها داعموها من خارج المجتمع الايزيدي، وهذا الانقسام الذي يتحول الى تصارع في بعض الفترات خاصة قبيل الانتخابات، انعكس سلبا على تحقيق مطالب الايزيدية كمكون ذو خصوصية دينية واجتماعية.

تقول الناشطة المدنية ليلى، ان عدم وجود قيادة موحدة يعني غياب وحدة القرار والموقف، وهذا يسمح “بالتدخلات الخارجية في شؤونهم، فمن السهل على أي جهة ان تتدخل وتتخذ قرارات لصالحها وليس لصالح المجتمع الايزيدي، وهذا يبقي الواقع الإيزيدي سيئا وربما يصبح أكثر سوءا”.

ويتفق غالبية المراقبين لأوضاع سنجار، ان واقع سكان المنطقة من ايزيديين وكرد مسلمين لم يتغير منذ 2015، فالمطالب والشكاوى هي ذاتها، وتتركز على ضمان الاستقرار الأمني وتوفير الخدمات وتعويض المتضررين، وتحسين الواقع المعيشي، وهي مطالب فشلت حكومتا بغداد وأربيل في تحقيقها، وفق ما يؤكده الصحفي بركات عيسى.

عيسى يضرب مثالا عن ذلك:”سنجار هي المنطقة الوحيدة في العراق التي لا توجد فيها إدارة محلية رسمية منذ عشر سنوات، مر على التحرير نحو تسع سنوات والمنطقة مازالت منكوبة، بلا ادارة محلية نتيجة غياب الاتفاق السياسي، وإدارة محافظة نينوى منقسمة بين طرفين متنازعين ولا يمكنها اتخاذ قرار. هذا الواقع الذي يغذيه صراع مصالح القوى الكبيرة، يُفقد الناس أي أمل بالمستقبل”.

الدور الاقليمي

يبرز ناشطون ومراقبون لواقع سنجار، سببا آخر لعدم استعادة المنطقة لحياتها السابقة، أسوة بباقي المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش لسنوات أطول، لكنه ما ان غادرها حتى عادت الحياة اليها ورجع سكانها ونشطت حركة الإعمار والبناء فيها، وهو يتمثل في التدخلات الخارجية.

تخضع سنجار منذ العام 2014 لجملة عوامل داخلية عراقية واخرى خارجية اقليمية، فرضها النفوذ الايراني في المنطقة من خلال فصائل الحشد الشعبي، وبشكل أقل النفوذ التركي من خلال بعض القوى الكردية. ونفوذ الأخيرة هو الذي رسم بعض خطوط اتفاقية سنجار بين حكومتي اربيل وبغداد، لكن النفوذ الأكبر المتمثل بالفصائل المقربة من ايران هو الذي عطل تطبيق الاتفاقية.

وحتى مع تراجع نفوذ طهران نسبيا في العراق بعد التحولات الاقليمية اثر حرب غزة ومن ثم مقتل قيادات حزب الله ولاحقا استهداف ايران بشكل مباشر من قبل اسرائيل، فان قواعد اللعبة ورسم حدود السيطرة لم تتغير في سنجار التي تخضع بشكل كبير لإرادة قوى الحشد الشعبي.

يقول صحفي ومدون معروف في سنجار، فضل ان نطلق عليه (م.ش) ان واقع الصراع الاقليمي بتداعياته المحلية، حَوَل سنجار الى “ضحية للعبة الكبار” حيث تتصارع القوى هناك من أجل مصالحها بينما تدفع المجتمعات المحلية الثمن حرماناً ونزوحاً وهجرة، مذكراً بأن موجات الجهاديين الأجانب عبرت الحدود الاقليمية وارتكبت أولى كبريات مجازرها في سنجار، وشكلت معها واقعاً جديداً للنفوذ تغير لاحقاً بتدخل قوى أخرى.

ويضيف، ان “طهران تسعى لإبقاء نفوذها في سنجار الذي تعتبره مهما، فهي بوابتها الأخيرة على سوريا، لذلك هي ترفض اي خطط لإبعاد الحشد الشعبي عن المنطقة. كما ان القوى الشيعية باتت مقتنعة بأهمية البقاء في المنطقة بل وتعزيز وجودهم فيها بعد سيطرة الجهاديين من جبهة النصرة على سوريا وقيادتهم للسلطة الجديدة التي يترأسها أبو محمد الجولاني، فهؤلاء قد يمثلون مستقبلا خطرا كبيرا على النظام الذي يحكمه الشيعة في العراق، لذلك ترى القوى الشيعية أن خط الصد الأول يجب ان يكون حاضرا بقوة لأية مواجهة”.

من جانبها، شنت تركيا خلال السنوات الماضية وبحجة انهاء “خطر ارهاب” حزب العمال الكردستاني، سلسلة هجمات بالطائرات المسيرة ضد مواقع وقيادات وحدات مقاومة سنجار الايزيدية المقربة من حزب العمال الكردستاني، أسفرت عن مقتل العديد من قياداتها الى جانب عشرات المدنيين.

وترى أنقرة أن سنجار المتاخمة لحدود مناطق الادارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، تمثل ممر حيوي لمقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين يتنقلون بين العراق وسوريا وتركيا ويهددون أمنها الداخلي.

وترفض تركيا أي نفوذ أو وجود لحزب العمال الكردستاني، او التنظيمات القريبة منه في المنطقة القريبة من حدودها، وهي تسعى ان تكون حاضرة في اية ترتيبات أمنية في سنجار التي تتمتع بأهمية اقتصادية أيضا كون خطوط مشروع “طريق التنمية” تمر بالقرب منها، وهو مشروع تجاري اقتصادي كبير تريد أنقرة ان تكون شريكا اساسية فيه.

ذلك الصراع الاقليمي، الذي أفرز حالة عدم الاستقرار الأمني، وزاد من مخاوف حصول صراعات داخلية مدفوعة من الخارج، ساهم في عدم عودة مكونات سنجار من ايزيديين ومسلمين على حد سواء، كما يرى (م.ش).

ويقول:”لا شيء اليوم يبعث الأمل، فجروح الآلاف لم تلتئم، وهناك مختطفات ومختطفون كانوا أطفالاً، لم يتم استعادتهم بعد، كما ان هناك مجرمين يتم الإفراج عنهم بعد كل قانون عفو، وهو ما يجدد آلام عوائل الضحايا”.

ويشدد على اهمية اعادة بناء التعايش بين مكونات سنجار، من خلال بناء الثقة “التي تحتاج قبل كل شيء الى تطبيق العدالة، بأن يُحاكم المتهمون بارتكاب الجرائم، وأن لا يُحمل آخرون ذنبهم، لتطوى صفحة الانتقام”.

ويخلص (م.ش) الى القول :”لتخرج سنجار من مأزقها، يجب ان تتفاهم بغداد واربيل، وتتركا فرض مصالحهما على حساب حياة هذا الشعب المُهدد في وجوده، والذي تركوه يواجه الإبادة وحيداً في العام 2014، وبعكس ذلك فستظل هذه الأرض نقطة صراع منسية، وأهلها نازحون او مهاجرون يبحثون عن وطن بديل”.

*انجز التقرير تحت اشراف الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى