رفضن الاستعباد فكان الحرق عقابهن.. ماذا نعرف عن جريمة إحراق 19 امرأة إيزيدية في الموصل؟

سلام هسكاني
بعد عشر سنوات تقريباً على واحدة من أكثر الجرائم إثارة للصدمة خلال حقبة تنظيم داعش الارهابي في العراق، لا يزال ملف إحراق 19 امرأة إيزيدية في مدينة الموصل يراوح بين الذاكرة الجماعية والروايات المتداولة، وسط نقص واضح في الوثائق القضائية العلنية التي تكشف تفاصيل ما جرى والمسؤولين المباشرين عنه.
في الثاني من حزيران/يونيو 2016، تناقلت وسائل إعلام عراقية وعربية ودولية خبراً مفاده أن تنظيم داعش أقدم على إحراق 19 امرأة إيزيدية داخل أقفاص حديدية في مدينة الموصل بعد رفضهن الخضوع للاستعباد الجنسي الذي كان التنظيم يفرضه على آلاف النساء المختطفات من سنجار ومناطق أخرى.
الخبر انتشر بسرعة وأثار موجة استنكار واسعة، إلا أن التحقيق في تفاصيل الواقعة يكشف أن كثيراً من المعلومات المرتبطة بها ما زالت غير مكتملة حتى اليوم.
من أين بدأت الرواية؟
أول ظهور واسع النطاق للقصة جاء عبر تصريحات لناشطين وسكان محليين داخل الموصل في فترة كانت المدينة مغلقة عملياً أمام وسائل الإعلام المستقلة بسبب سيطرة التنظيم.
في ذلك الوقت، كانت معظم المعلومات الواردة من داخل المدينة تصل عبر شبكات سرية من الناشطين أو عبر شهود تمكنوا من الفرار لاحقاً. ومع محدودية الوصول الميداني، واجه الصحفيون ومنظمات التوثيق صعوبة كبيرة في التحقق من الأحداث بشكل مباشر.
وبينما أعادت عشرات وسائل الإعلام نشر الرواية، فإن مراجعة التقارير المنشورة آنذاك تظهر أن معظمها استند إلى المصدر نفسه أو إلى روايات متقاطعة نقلت عن شهود لم تُكشف هوياتهم لأسباب أمنية.
سياق الجريمة: سياسة ممنهجة لا حادثة معزولة
سواء ثبتت جميع تفاصيل الواقعة المتداولة أو بقي بعضها بحاجة إلى توثيق إضافي، فإن الجريمة تندرج ضمن سياسة أوسع اعتمدها تنظيم داعش الارهابي ضد النساء الإيزيديات.
ففي آب/أغسطس 2014، اجتاح التنظيم قضاء سنجار، ما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين واختطاف الآلاف من النساء والفتيات. وقد خلصت الأمم المتحدة لاحقاً إلى أن ما تعرض له الإيزيديون يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وأظهرت تقارير صادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، إضافة إلى تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن التنظيم أنشأ منظومة متكاملة للاستعباد الجنسي شملت البيع والشراء والنقل القسري للنساء والفتيات بين مناطق سيطرته.
وبحسب شهادات ناجيات، كان رفض الأوامر أو محاولة الهرب يقابَل بعقوبات قاسية تراوحت بين التعذيب والحبس والقتل.
ماذا تقول الأدلة المتاحة؟
رغم شهرة القضية إعلامياً، لا توجد حتى اليوم ملفات تحقيق منشورة تكشف بالتفصيل أسماء النساء التسع عشرة أو تحدد هوية جميع المتورطين في الجريمة.
ويشير باحثون في ملفات جرائم داعش إلى أن جزءاً كبيراً من الأدلة ضاع خلال المعارك التي رافقت استعادة الموصل بين عامي 2016 و2017، بينما بقي جزء آخر مبعثراً بين شهادات ناجين ووثائق تم العثور عليها بعد انهيار التنظيم.
كما لم تعلن السلطات العراقية عن محاكمة محددة مرتبطة مباشرة بواقعة إحراق النساء التسع عشرة، رغم صدور أحكام بحق مئات المنتمين إلى التنظيم في قضايا تتعلق بالإرهاب وجرائم أخرى.
هذا الواقع يثير تساؤلات بشأن الفجوة القائمة بين حجم الجرائم الموثقة ضد الإيزيديين وبين عدد القضايا التي جرى التحقيق فيها بصورة تفصيلية أمام المحاكم.
شهادات مفقودة وملفات غير مكتملة
خلال السنوات التي أعقبت تحرير الموصل وسنجار، تمكنت السلطات العراقية ومنظمات دولية من الوصول إلى عشرات المقابر الجماعية التي يُعتقد أنها تضم رفات ضحايا التنظيم.
لكن التحدي الأكبر بقي في الربط بين الأدلة الميدانية والروايات الفردية.
فالعديد من الناجين الذين كانوا شهوداً محتملين على الانتهاكات قتلوا خلال الحرب، فيما ما تزال آلاف العائلات الإيزيدية تبحث عن مصير أقارب مفقودين منذ عام 2014.
ووفق بيانات رسمية، فإن آلاف المختطفين والمختطفات لا يزال مصيرهم/ن مجهولاً حتى اليوم، رغم مرور سنوات على انتهاء سيطرة التنظيم.
أين وصلت العدالة؟
في عام 2021 اعترف البرلمان العراقي رسمياً بما تعرض له الإيزيديون عبر إقرار قانون الناجيات الإيزيديات، الذي نص على تقديم تعويضات ودعم للنساء اللواتي تعرضن للاختطاف والاستعباد.
كما أنشأت الأمم المتحدة فريق التحقيق الخاص لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (UNITAD)، والذي عمل على جمع الأدلة المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
إلا أن خبراء قانونيين يؤكدون أن تحويل الأدلة إلى أحكام قضائية ما زال يواجه عقبات قانونية وإجرائية، خصوصاً في القضايا التي تفتقر إلى شهود مباشرين أو وثائق رسمية كاملة.
بين الذاكرة والحقيقة
بعد سنوات من انتهاء المعارك ضد داعش، ما زالت قصة النساء الإيزيديات التسع عشرة حاضرة في الذاكرة الايزيدية وبعض العراقيين باعتبارها رمزاً للفظائع التي ارتكبها التنظيم.
لكن الملف يكشف أيضاً جانباً آخر من معركة ما بعد الحرب: معركة إثبات الوقائع وتوثيقها ومحاسبة مرتكبيها.
فبين الروايات المتداولة والوثائق المتاحة تبقى أسئلة جوهرية دون إجابات حاسمة: من هن النساء التسع عشرة؟ أين تم دفنهن؟ من أصدر أمر قتلهن؟ ومن نفذ الجريمة؟ ولماذا لم تكشف نتائج تحقيق مفصلة بشأنها حتى الآن؟
إلى أن نرى أجوبة لهذه الأسئلة، ستظل القضية واحدة من الملفات المفتوحة في سجل الجرائم التي ارتكبت بحق الإيزيديين، ودليلاً على أن هزيمة التنظيم عسكرياً لم تعنِ بالضرورة اكتمال مسار العدالة للضحايا



