اخبار

​شنكال: الخزانةُ التي نسيَ الجميعُ مفتاحَها

سرمد سليم 

​شنكال: الخزانةُ التي نسيَ الجميعُ مفتاحَها في قميصِ القتيل
​شنكالُ ليستْ مدينة،
إنها سترةٌ عسكريةٌ قديمةٌ مرقّعةٌ بالغبار،
علقها جنديٌّ متعبٌ على مسمارِ الريحِ ونسيَ أن يعودَ إليها.
تقفُ الآن كأرملةٍ بوقارٍ جنائزيّ عند مدخلِ “خانسور”،
تحملُ الجبلَ في حقيبةِ يدِها الصغيرة،
مثلما تحملُ الأمهاتُ صورَ أولادِهنَّ المفقودين في المحاكم.
توزعُ أرغفةَ الخبزِ اليابسةَ على المارة،
ليس كطعام، بل كمناشير سياسيةٍ تحذرُ العصافيرَ من الثقةِ بالفخاخ.
​في بيوتِ الطينِ التي تشبهُ قلوباً توقفتْ عن الخفقان،
تجمعُ شنكالُ أغاني الرعاةِ “المذبوحة”،
تضعُها برفقٍ في أكياسِ القمامة،
كأنها تلمُّ زجاجاً مكسوراً لكي لا تجرحَ أقدامَ الأطفالِ الذين سيركضون في الحلم.
تغسلُ وجهَ القمرِ الشاحبِ بصابونِ الرقي،
تحاولُ أن تقنعَهُ بأنَّ السوادَ الذي عليه ليس دماً، بل هو مجردُ كلفٍ قديم.
تضحكُ بمرارةٍ وهي ترى التاريخَ “الأعمى” يتعثّرُ بظله،
وتستمعُ لقصائدي بمللٍ جميل،
بينما تنظّفُ أظافرَها بسكّينِ المطبخ..
السكينِ ذاتِها التي قطّعتْ بها البصلَ لغداءٍ لن يأتيَ أصحابهُ أبداً.
​شنكالُ هي التي أطبقتْ شفتيْها المالحتيْن على جرحي،
حتى جعلتني أرى جثثَ الكلماتِ وهي تطفو في شايِ الصباح،
مثلَ قطعِ السكرِ التي رفضتْ أن تذوبَ لأنَّ القلبَ صارَ بارداً.
في كلِّ بيتٍ هناك، ترى قبراً صغيراً ينمو تحت السرير،
وفي كلِّ ابتسامةٍ تشعرُ بوجودِ فخٍّ للمغفلين الذين ما زالوا يصدقون الوعود.
هي لا تهتمُّ بالاستعاراتِ أو المجازاتِ الفخمة،
لقد اكتشفتْ -قبلنا جميعاً-
أنَّ دمنا صارَ حبراً رديئاً لا يصلحُ حتى لكتابةِ قائمةِ المشتريات.
​بكلِّ برودِ الملوكِ الذين ينامون في اللوحات،
وبكلِّ جنونِ الصعاليكِ الذين يطاردون قطاراتٍ وهمية،
بصقتْ على القصيدة..
ليس كرهاً بالشعر، بل لأنَّ فمَها كان مليئاً برملِ المقابر.
وغادرتْ -بكل بساطة- من النافذة،
تاركةً لنا جبلَ الرخامِ الثقيلَ لكي نحملهُ وحدنا،
وجمجمةً وحيدةً في العراء،
تبتسمُ للرعاةِ في الليالي المقمرة،
ابتسامةً هادئة.. كأنها تعرفُ نكتةً لن نفهمَها نحنُ الأحياءَ أبداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى