
“مبادرات لإنشاء النصب التذكارية تتزايد في عدد من مناطق سنجار.
والجدل مستمر حول مستقبل ذاكرة الإبادة الإيزيدية”
طلال مراد- ايزيدي ٢٤
مع اقتراب الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار، بدأت آثار الإبادة الجماعية تتجسد في مشهد جديد يتمثل بتزايد النصب التذكارية في مواقع متعددة ارتبطت بمأساة آب 2014 حيث انطلقت في الآونة الأخيرة مبادرات ومشاريع متعددة لإنشاء نصب تذكارية للإبادة في قرى ومواقع مختلفة، من سيباي وكرزرك إلى خانصور وحردان، إلى جانب النصب التذكاري القائم بالفعل في مدخل مدينة سنجار.
فبينما يرى مؤيدو هذه المشاريع أن النصب تمثل اعترافاً دائماً بالضحايا ووسيلة لحفظ ذاكرة الإبادة الجماعية، يعتقد آخرون أن النقاش لا يتعلق بعدد النصب بقدر ما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تؤديه في مجتمع ما زال يبحث عن العدالة، ويواجه تحديات اعادة الإعمار وعودة النازحين وكشف مصير المفقودين.
ومع ازدياد هذه المبادرات، فهناك من يدعو إلى توحيد الرموز التذكارية ضمن إطار مشترك موحد، بينما يرى آخرون أن لكل موقع خصوصيته وحقه في عرض قصته الخاصة. ومن خلال هذه الآراء المختلفة تقال تصورات متعددة حول أفضل الطرق لتخليد ذكرى الضحايا والحفاظ على واحدة من أكثر الفترات ألماً في تاريخ الإيزيديين.
حيث يرى الناشط في الشأن السياسي راكان رفو “أن تعدد مراكز حفظ الذاكرة المكانية في مجتمع ما زال يعيش آثار الإبادة الجماعية قد يحمل انعكاسات سلبية على أكثر من مستوى، لا سيما في حالة المجتمع الإيزيدي الذي يعاني أصلاً من التشتت والانقسام الجغرافي”. ويعتقد “أن انتشار النصب والمواقع التذكارية بصورة غير منسقة قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها من منظور الحكومة العراقية والمجتمع الدولي، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على جهود الاعتراف الرسمي بالإبادة ودعم برامج التوثيق وحفظ الذاكرة.”
مشيراً إلى “أن خطورة الأمر لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى داخل المجتمع الإيزيدي نفسه، حيث قد يؤدي تعدد المرجعيات والمبادرات إلى خلق انقسامات جديدة وإضعاف مركزية القضية الإيزيدية، سواء في مجال التوثيق أو في مجالات المناصرة والاعتراف والعدالة”.
رفو يؤكد “أن حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق جرائم الإبادة وفق المعايير الدولية يعد جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن إدارة هذا الملف بصورة عشوائية أو بعيدة عن المرجعيات المجتمعية والحكومية المختصة لا تمثل مجرد خطأ تنظيمي، بل قد تصل إلى مستوى الإخلال بحقوق الضحايا والناجين”.
وانطلاقاً من ذلك، يدعو إلى التوافق على نصب تذكاري مركزي واحد يمثل جميع الإيزيديين ويحظى بإجماع مجتمعي واسع، مع إمكانية إنشاء فضاءات فرعية في مختلف المناطق المتضررة تحمل أسماء الضحايا والشهداء أو توثق أحداث الإبادة من خلال حدائق عامة، أو شوارع، أو مدارس، أو مراكز ثقافية.
وفيما يتعلق بأولويات حفظ الذاكرة، يرى رفو “أن النصب التذكارية والمتاحف ومراكز التوثيق ليست بدائل لبعضها البعض، بل مكونات متكاملة لمشروع واحد”. لكنه يعتقد “أن الأولوية يجب أن تبدأ بإنشاء نصب تذكاري مركزي جامع، يليه متحف متخصص ومركز توثيق علمي ومكتبة عامة ومرافق ثقافية وتعليمية ضمن مشروع متكامل يمكن أن يحمل اسم “مجمع ذاكرة الإبادة الجماعية للإيزيديين”، بما يضمن حفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال القادمة بصورة مؤسسية ومستدامة ويمكن العمل على ذلك من خلال مبادرة جماعية وتمويل كافي للحصول على الأراضي المجاورة للنصب الحالي الذي قام بإنشائه مبادرة نادية مراد”.
لكن فكرة النصب التذكاري الواحد لا تحظى بإجماع كامل. فبينما يدعو البعض إلى توحيد رموز الإبادة في موقع جامع، يرى آخرون أن المأساة لم تقع في مكان واحد حتى تُختزل في نصب واحد. فمن المقابر الجماعية إلى مواقع القتل الجماعي والخطف والنزوح، ما تزال سنجار تحتفظ بعشرات الشواهد التي تحمل قصصاً مختلفة لضحايا الجريمة، وهو ما يدفع أصواتاً عديدة للمطالبة بتخليد هذه المواقع بوصفها جزءاً من الذاكرة الحية للإبادة
ويرى نزار برجس، عضو منصة سنجار للحوار المفتوح، “أن اختيار المقابر الجماعية في خانصور وحردان لإنشاء نصب تذكارية لم يكن قراراً عشوائياً أو مجرد اختيار لمواقع شهدت أحداثاً مأساوية، بل جاء انطلاقاً من رمزية هذه الأماكن وما تمثله في الذاكرة الفردية والجماعية للإيزيديين”.
قائلاً إلى “أن المقابر الجماعية تمثل الشاهد المادي الأكثر وضوحاً على الجريمة التي ارتكبت بحق الإيزيديين خلال أحداث عام 2014، فهي لا تزال تحتضن رفات الضحايا وتحمل آثار الجريمة التي حاول منفذوها محو وجود المجتمع الإيزيدي وهويته. كما أن لهذه المواقع مكانة خاصة في الثقافة والدين الإيزيدي، حيث ينظر إلى أماكن الموت والدفن بوصفها جزءاً من الذاكرة الروحية والإنسانية للمجتمع”.
ويعتقد برجس “أن إقامة النصب التذكارية في هذه المواقع يمنحها بعداً إضافياً يجعلها فضاءات للتأمل والتذكر والتوثيق، وليس مجرد مواقع جنائية أو أثرية. كما يرى أن هذه المشاريع تؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في حفظ الذاكرة وتحقيق جانب من العدالة للضحايا، لأن العدالة لا تقتصر على المحاكمات والإجراءات القانونية، بل تشمل أيضاً الاعتراف بالضحايا وتخليد ذكراهم وضمان عدم تكرار الجرائم”.
ويضيف “أن المجتمعات التي تعرضت لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تحتاج إلى أماكن تحفظ ذاكرتها بصورة دائمة. ويستشهد بتجارب اطلع عليها خلال زيارة إلى جنوب أفريقيا، حيث لاحظ أن مواقع الذاكرة المرتبطة بفترة الفصل العنصري لم تنشأ فقط لتخليد الضحايا، بل تحولت إلى أدوات تعليمية وتوعوية تنقل للأجيال الجديدة حقيقة ما جرى وتدفع المجتمع إلى التأمل في الماضي وتجنب تكرار أخطائه”.
مؤكداً “أن نجاح هذه المشاريع مستقبلاً يتطلب ألا تقتصر على إنشاء النصب التذكارية وحدها، بل يجب أن ترتبط ببرامج تعليمية وثقافية وبحثية مستمرة، وأن تتحول إلى مواقع للزيارة والتعلم والحوار، مع إشراك الناجين وعائلات الضحايا والشباب في إدارة هذه الذاكرة والحفاظ عليها”
غير ان هذا التوجه لا يخلو من الأصوات المعارضة. فهناك من يرى أن تعدد النصب التذكارية، مهما كانت دوافعه، قد يقود إلى تشظي الذاكرة الجماعية للإبادة وتحويلها إلى روايات محلية متفرقة. وبحسب أصحاب هذا الرأي، فإن الخطر لا يكمن في النصب نفسها، بل في فقدان الرواية التي توحد الضحايا تحت مظلة مأساة واحدة استهدفت المجتمع الإيزيدي بأكمله.
فيقول سلطان خرو، وهو أحد ذوي الضحايا الذين فقدوا عدداً كبيراً من أفراد عائلتهم خلال هجوم تنظيم داعش على سنجار، “أن الخطر لا يكمن في النصب التذكارية نفسها، بل في تحول الإبادة الجماعية إلى ذاكرات متفرقة ترتبط بالمناطق أو المجمعات أو العشائر أو حتى العائلات”.
يعتقد سلطان “أن الشهداء الذين سقطوا خلال أحداث عام 2014 لم يضحوا دفاعاً عن قرية أو منطقة أو عشيرة معينة، بل من أجل القضية الإيزيدية بأبعادها الدينية والإنسانية والوطنية. ولذلك فإن حصر تضحياتهم ضمن نطاق جغرافي أو اجتماعي ضيق، بحسب رأيه، يتعارض مع طبيعة الإبادة التي استهدفت المكون الإيزيدي بأكمله”.
يصف خرو “أن التوسع في إنشاء النصب التذكارية بصورة متفرقة قد يؤدي إلى تشتيت الرواية الجماعية للإبادة وإضعاف حضورها أمام الرأي العام المحلي والدولي، كما قد يفتح الباب أمام تنافسات لا تخدم القضية الأساسية”.
ويلفت إلى “أن المجتمع الإيزيدي ما زال يواجه تحديات إنسانية واقتصادية كبيرة، وأن بعض عائلات الضحايا تعاني ظروفاً معيشية صعبة، الأمر الذي يجعل من الضروري التفكير أيضاً في مشاريع إنتاجية وخدمية تخدم الناجين إلى جانب جهود تخليد الذكرى”.
يبرز “أن الإبادة لم تستهدف الإيزيديين في سنجار فقط، بل استهدفت جميع الإيزيديين أينما وجدوا، ولذلك يدعو إلى الاكتفاء بنصب تذكاري مركزي أو عدد محدود من النصب الجامعة التي تمثل جميع الضحايا وتحافظ على وحدة الذاكرة الجماعية للإبادة”.
في الجهة المقابلة، يرفض مؤيدو هذا الطرح النظر إلى تعدد النصب التذكارية بوصفه تهديداً لوحدة الذاكرة الإيزيدية. ويرون أن الإبادة لم تترك آثارها في مكان واحد، بل توزعت أحداثها وقصص ضحاياها على عشرات المواقع في سنجار، الأمر الذي يجعل توثيق هذه الأماكن جزءاً من حفظ الحقيقة نفسها. وبحسب هذا الرأي، فإن تخليد المواقع التي شهدت القتل أو الخطف أو المقاومة لا يجزئ الإبادة، بل يسلط الضوء على تفاصيلها المختلفة ويمنح الأجيال القادمة فهماً أعمق لما جرى خلال صيف عام 2014.
وفي هذا السياق يقول، نايف صبري، مؤسس منظمة سنرايز ومن أهالي مجمع كرزرك، “أن لكل منطقة من مناطق سنجار قصتها الخاصة مع الإبادة الجماعية، وأن توثيق هذه القصص في مواقعها الأصلية يمثل جزءاً مهماً من حفظ الذاكرة للأجيال القادمة”.
وينوه إلى “أن مواقع مثل ساتر كرزرك أو سيباي أو حردان شهدت أحداثاً مختلفة خلال الإبادة، من مقاومة ومعارك وخسائر بشرية، ما يجعل لكل منها قيمة رمزية تستحق التوثيق. ويقترح أن يتم ذلك من خلال معالم بسيطة أو جدران تذكارية تحمل رسائل وشهادات وقصصاً مرتبطة بما حدث في تلك المواقع”.
ويكمل ” أن وجود نصب تذكاري رئيسي للإبادة لا يتعارض مع وجود معالم أخرى توثق أحداثاً أو قصصاً محلية، بل إن هذه المواقع تضيف طبقات جديدة من الفهم لتفاصيل ما جرى وتساعد على إيصال الرسالة بصورة أكثر قوة وعمقاً”.
كما يرفض صبري النظر إلى هذه المبادرات بوصفها شكلاً من أشكال التنافس بين المناطق أو العشائر، معتبراً أن لكل موقع حقه في أن تُروى قصته وأن تُحفظ ذاكرته. ويرى أن بناء استراتيجية متكاملة تربط بين هذه المواقع وسردياتها الحقيقية يمكن أن يحولها إلى أدوات مهمة لحفظ الذاكرة وتعزيز الوعي بالإبادة.
ويجدد التأكيد على “أن ما يعتبره البعض تجزئة للإبادة يمكن أن يتحول، إذا أُدير بصورة صحيحة، إلى مصدر قوة للذاكرة الجماعية، لأن كل موقع يوثق جانباً من جوانب المأساة ويسهم في بناء صورة أكثر اكتمالاً للأحداث التي شهدتها سنجار”.
وبين الآراء التي تدعو إلى توحيد النصب التذكارية ضمن مشروع مركزي جامع، وأخرى ترى أهمية تخليد خصوصية كل موقع من مواقع الإبادة، يبرز بُعد آخر يتعلق بالدور الرسمي للدولة في حفظ ذاكرة الضحايا. فمسألة النصب التذكارية لا تقتصر على المبادرات المجتمعية فحسب، بل تستند أيضاً إلى نصوص قانونية ألزمت الجهات الحكومية بالمساهمة في تخليد ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية.
وتنص المادة الثامنة/ثانياً من قانون الناجيات الإيزيديات على أن تتولى وزارة الثقافة وأمانة بغداد والجهات المعنية تخليد ضحايا الإيزيديين والمكونات الأخرى من خلال إقامة النصب والتماثيل والمعارض التذكارية، الأمر الذي يجعل هذا الملف جزءاً من الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الدولة.
وحول هذا الأمر، وتؤكد المديرة العامة لمديرية شؤون الناجيات الايزيديات، سراب إلياس، أن ملف النصب التذكارية يعد جزءاً من اختصاصات المديرية المنصوص عليها في قانون الناجيات الإيزيديات، الذي ألزم الجهات المعنية بالعمل على تخليد ضحايا الإبادة الجماعية من خلال النصب والتماثيل والمعارض التذكارية.
وتوضح أن المديرية حصلت على الموافقات الإدارية اللازمة وأطلقت مسابقة للفنانين والنحاتين لتقديم تصاميم خاصة بالمشروع، كما عقدت سلسلة اجتماعات ومشاورات مع الأهالي والمختصين لدراسة الآليات المناسبة لتخليد ذكرى الضحايا.
–وتدعم هذه التوجهات مبادرة أعلنت عنها المديرية العامة لشؤون الناجيات في تموز 2024 بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية (IOM)، دعت من خلالها الفنانين والنحاتين والمختصين إلى تقديم تصاميم لنصب تذكارية مصغرة في مواقع المقابر الجماعية في قضاء سنجار وتلعفر، بهدف تخليد ذكرى ضحايا المكونات المشمولة بقانون الناجيات الإيزيديات. وبحسب الإعلان، كان من المقرر اختيار التصميم الأمثل بالتشاور مع المختصين وتنفيذه في تلك المواقع، في خطوة هدفت إلى حماية المقابر الجماعية وتعزيز حضورها في الذاكرة العامة بوصفها شواهد مباشرة على الجريمة-.
تؤكد إلياس إلى “أن المبادرة التي عملت عليها المديرية لم تكن تهدف إلى إنشاء نصب تذكاري مركزي واحد، بل إلى إقامة شواهد أو نصب تذكارية صغيرة في مواقع المقابر الجماعية، بهدف حماية هذه المواقع والتعريف بحجم الإبادة التي شهدتها، فضلاً عن تخليد ذكرى الضحايا الذين ما تزال رفات كثير منهم مدفونة فيها”.
وأوضحت “أن المديرية قررت التريث في تنفيذ المشروع بعد ظهور مبادرات مجتمعية أخرى تعمل على إنشاء نصب تذكارية في بعض المواقع، بهدف إعادة دراسة الملف وتجنب التداخل بين المشاريع المختلفة”. كما تؤكد “أن إنشاء أي نصب تذكاري يتطلب موافقات رسمية من وزارة الثقافة والجهات الحكومية المختصة، إلى جانب وجود جهة تتولى إدارة الموقع وصيانته وضمان استدامته مستقبلاً”.
إذا كانت الآراء تتباين بشأن عدد النصب التذكارية وأماكن إنشائها، فإنها تلتقي عند نقطة أساسية تتمثل في أهمية حفظ ذاكرة الإبادة وتوثيقها للأجيال القادمة. غير أن هذا النقاش يفتح تساؤلاً آخر يتعلق بوجود رؤية حكومية شاملة لإدارة هذا الملف، وما إذا كانت الجهود الحالية تمهد لإنشاء مؤسسات ومشاريع دائمة تحفظ الذاكرة الإيزيدية إلى جانب النصب التذكارية.
وفي هذا السياق، يقول عضو مجلس محافظة نينوى عيدان شيخ كالو “إن الحكومة المحلية لا تمتلك حتى الآن رؤية واضحة لإنشاء متحف خاص بالإبادة الإيزيدية”، لكنه يؤكد في الوقت نفسه “استعداد الجهات الرسمية لدراسة أي مشروع متكامل يمكن أن يسهم في حفظ الذاكرة وتوثيق الجريمة بصورة مؤسسية”.
ويلفت كالو إلى “وجود تواصل واجتماعات مع مفتشية آثار نينوى بشأن إعادة تأهيل متحف سنجار، مع إمكانية تخصيص جزء منه مستقبلاً لتوثيق الإبادة الإيزيدية وعرض المواد المرتبطة بها”.
كما يتوقف عند أهمية بعض المواقع التراثية في سنجار، ومنها موقع القشلة التاريخي، الذي يرى أنه يمتلك قيمة أثرية وثقافية كبيرة ويمكن أن يؤدي دوراً مهماً في المستقبل إذا أعيد تأهيله واستثماره بصورة مناسبة.
وبشأن النصب التذكارية، يوضح شيخ كالو “أنها تمثل جزءاً مهماً من عملية التوثيق، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى أرشيف متكامل يضم الوثائق والإحصائيات والبيانات المتعلقة بالإبادة. ويلفت إلى أهمية “بأن حفظ الذاكرة يتطلب عملاً مؤسسياً يتجاوز المعالم الرمزية ليشمل التوثيق العلمي وإدارة المعلومات وتوفيرها للأجيال القادمة”.
كما يبدي استعداده لدعم أي مقترحات عملية ومتكاملة يمكن عرضها على الجهات المختصة أو طرحها داخل مجلس المحافظة من أجل دراستها وتحويلها إلى مشاريع رسمية قابلة للتنفيذ
ورغم اختلاف الآراء بشأن عدد النصب التذكارية وأماكن إنشائها وأولويات المرحلة المقبلة، فإن الناجيات والناجين أنفسهم يضعون النقاش في سياقه الأكثر إنسانية، باعتبارهم الفئة التي ما تزال تعيش آثار الإبادة بشكل يومي والدليل الحي على ما حدث.
تقول الناشطة الإيزيدية حلا سفيل، وهي إحدى الناجيات من قبضة تنظيم داعش والتي لعبت دوراً بارزاً في مناصرة القضية الإيزيدية في المحافل المحلية والدولية، “إن أي حديث عن إنشاء نصب تذكارية للإبادة يحمل بالنسبة لها معنى عميقاً ومؤلماً في آن واحد”.
وتجد “أن هذه النصب تمثل اعترافاً بمعاناة آلاف الضحايا الذين قتلوا أو اختطفوا أو ما يزال مصيرهم مجهولاً، كما تمثل رسالة تؤكد أن ما جرى للإيزيديين لن يُنسى”. وتصف النصب التذكارية “بأنها أماكن تحمل أسماء وذكريات وأحلام أشخاص فقدوا حياتهم خلال الإبادة، وتبقى شاهداً على الجريمة التي استهدفت وجود المجتمع الإيزيدي وهويته ناهيك عن رمزية هذه النصب وأهميتها في تخليد الذاكرة الجماعية الايزيدية”
وتؤمن سفيل “بأهمية النصب التذكارية في حفظ الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال القادمة، لكنها تؤكد أن دورها لا يكتمل إلا من خلال ربطها بالتوثيق والتعليم وشهادات الناجين”. وتوضح “أن النصب يمكن أن تروي جزءاً من القصة، لكنها تحتاج إلى منظومة أوسع تضمن بقاء الحقيقة حية في الوعي العام وتحول دون اختزال الإبادة إلى أرقام أو أحداث تاريخية بعيدة”.
وفي الوقت نفسه، تشدد على “أن الأولوية بالنسبة للناجين والناجيات ما زالت تتمثل في تحقيق العدالة وكشف مصير المفقودين والمختطفين وإعادة إعمار سنجار”. وتعتبر “إن أي نصب تذكاري لن يخفف من ألم أم ما زالت تنتظر معرفة مصير ابنها، أو عائلة تبحث منذ سنوات عن خبر يتعلق بأحد أحبائها.
وتنوه إلى “أن النصب التذكارية تحفظ الذاكرة، لكن العدالة هي التي تمنح هذه الذاكرة معناها الحقيقي”. فبالنسبة لها، “لا يكتمل تخليد الضحايا إلا بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة، وكشف مصير المفقودين، وإعادة الحياة والأمان والكرامة إلى سنجار، لتصبح النصب التذكارية شاهداً على ما حدث، لا شاهداً على استمرار معاناة الضحايا والناجين”
مع الاقتراب من مرور أثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية، لا يختلف الإيزيديون كثيراً حول ضرورة حفظ الذاكرة، لكنهم يختلفون حول الطريقة التي ينبغي أن تُحفظ بها. فبين من يدعو إلى نصب تذكاري مركزي يوحد الرواية الجماعية للإبادة، ومن يرى أن لكل منطقة قصتها التي تستحق أن تُروى في مكانها، تتواصل محاولات البحث عن الصيغة الأقدر على تخليد الضحايا ونقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة.
ورغم هذا التباين، تكاد جميع الأصوات تلتقي عند حقيقة مشتركة واحدة (أن النصب التذكارية وحدها لا تكفي. فحفظ الذاكرة يحتاج إلى توثيق ومتاحف وأرشفة وتعليم، كما يحتاج قبل ذلك إلى عدالة تكشف مصير المفقودين والمختطفين، وتحاسب المسؤولين عن الجريمة، وتعيد الحياة إلى المناطق التي ما تزال تحمل آثارها حتى اليوم.
وبين الماضي والحاضر والمستقبل، تستمر رحلة الإيزيديين في البحث عن أفضل السبل لضمان ألا تتحول الإبادة إلى قصة منسية، كما حدث عبر التاريخ في الإبادات الجماعية السابقة التي تعرضت لها الايزيديون والتي لم توثق او تحفظ في الذاكرة إلا عبر بعض القصص الشفهية من خلال الغناء الفلكلوري الايزيدي كقصة غزالى وخطفها من قبل حافظ باشا.



