Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اراء

حكومة نينوى: إخفاق سياسي وأخلاقي .

د.طارق قاسم 

قبل أيام، وما تزال هذه الممارسات مستمرة حتى لحظة كتابة هذا المقال، وبمراسيم رسمية، سلّمت الحكومة المحلية في نينوى مفاتيح شقق سكنية فاخرة أُنشئت خصيصًا لعوائل داعش، أولئك الذين ارتُكبت على أيديهم إبادة الإيزديين، وكأن ما حصل لهم مكافأة أو مكرمة على جرائمهم. هي خطوة تفتح جروحًا لم تلتئم، وتأتي في وقتٍ تحترق فيه خيم الإيزديين، معها ما تبقى من ممتلكاتهم، بل وأرواحهم أيضًا. لا يمكن النظر إلى هذا المشهد بمعزل عن سلسلة طويلة من الفشل الجذري، والتواطؤ الواضح، غياب العدالة، والانحياز العقائدي الذي لم يعد خافيًا على أحد. حتى على المستوى الإعلامي، لم يكن الإيزديون يومًا محل تعاطف. وكعادتها، سارعت قناة الشرقية المنحازة لفئة بعينها إلى نقل هذا الخبر الذي شكّل مصدر فرح لهم، لأنهم جزء من هذا السياق نفسه. في المقابل، لم تنقل يومًا واحدًا خبرًا حقيقيًا عن إبادة الإيزديين. صمتٌ له أسبابه العقائدية، وصمتٌ لا يمكن اعتباره حيادًا، بل موقفًا واضحًا وإن حاول أصحابه إنكاره. شخصيًا، كتبتُ في مقالات سابقة عن فشل حكومة إقليم كردستان في المناطق المتنازع عليها، كما كتبت عن الفشل التاريخي للحكومات العراقية المتعاقبة في إنصاف الإيزديين؛ هذا المكوّن الأصيل، من السكان الأصليين منذ آلاف السنين، الذي تحوّل بفعل السياسات والإقصاء إلى ضحية منبوذة من جميع الجهات.

والمثير للاستغراب حقًا: لماذا لا يُسمّى ما جرى “إبادة الكفار” كما يعتقدون، بدل الاكتفاء بتسمية “إبادة الإيزديين”؟ أليس هذا ما تكشفه اللغة أحيانًا أكثر مما تخفيه؟ وزارة الهجرة التي يُفترض أن تكون معنية بضحايا التهجير أظهرت كفاءة لافتة في إعادة عوائل داعش من مخيم الهول بسيارات حديثة، ثم تسليمهم إلى الحكومة المحلية، التي بدورها أظهرت كفاءة مماثلة في بناء شقق سكنية لهم.

كل ذلك لعوائل ما تزال آثار جرائمها، ودماء الإيزديين، حاضرة في الذاكرة والجغرافيا. حتى ملابسهم ملطخة بدماء الايزديات اللواتي اغتصبن . في المقابل، لم تفكر هذه الوزارة يومًا بإعادة إيزدي واحد إلى منزله، لا بترميم بيت مهدّم، ولا بتقديم دعم حقيقي للناجين. وزارة فاشلة، انشغلت بفئة محددة، لم يكن الإيزديون ضمن أولوياتها في أي مرحلة. أما مجلس محافظة نينوى، فهو من أفشل المجالس على مستوى العراق. مجلس لا يجتمع إلا ليأكل، ثم يغادر لينام. لا يجتمع من أجل الخدمات، ولا من أجل الإعمار، بل من أجل دمج وإعادة من أغضبوا وقتلوا وهجّروا الإيزديين. أليس من واجب هذه المحافظة، على أقل تقدير، أن توازن بين فئات المجتمع؟ أليس من الأولى انتظار عودة الناجيات؟ أليس من الأولى فتح ما تبقى من المقابر الجماعية؟ لماذا ما تزال معاملات الناجيات مركونة على الرفوف، يعلوها الغبار؟ ألا يوجد للإيزديين ممثل حقيقي داخل هذه المحافظة؟ أليس من العدل أن يُعاد بناء ما هُدم قبل مكافأة من دمّر؟ بحكم عملي، سمعت من أكثر من جهة أن عددًا كبيرًا من الناجيات لم يستلمن رواتبهن بحجة عدم توفر رصيد في ميزانية العراق؛ ميزانية تُهدر فيها المليارات على سياسيين، وسجناء، وفضائيين، وعلى من قتلوا العراقيين في حروب عبثية، بينما يُترك الضحايا الحقيقيون لمصيرهم.قد تبدو هذه الوقائع، في ظاهرها، أخطاءً إدارية، لكنها في جوهرها، وقبل كل شيء، فشل أخلاقي، وإنساني، وسياسي كامل الأوجه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى