اراء

​الوعي الشقي: المسافة القاتلة بين فم الفيلسوف ويده

سرمد سليم 

 

لا تُقاس عظمة الفيلسوف بمدى تعقيد مصطلحاته، بل بالمسافة التي يقطعها “الصدق” بين فمه ويده. إنَّ “الوعي الشقي” الذي نعيشه اليوم ليس مجرد خيبة أمل عاطفية، بل هو كشفٌ مخبري لسقوط “الأنسنة” في الفكر الغربي أمام أول اختبار حقيقي للعدالة الكونية. لقد ارتكب هايدغر خطيئة “الانحياز للصنم” بحثاً عن تجذّر ضائع، فخان تلميذته وخان زملاءه، والأدهى أنه خان “الوجود” الذي قدسه. أما هابرماس، فقد ارتكب خطيئة “الانتقائية الأخلاقية”؛ إذ جعل “الفعل التواصلي” حكراً على من يشبهونه في العرق والجغرافيا، وإنَّ وصفه بـ”العاوي على ضفاف المواقف” هو تشخيص دقيق لحالة “المفكر التقني” الذي يمتلك أدوات الحوار لكنه يفتقد شجاعة الاعتراف بحق الآخر في الحياة. وفي مقابل هذا السقوط، نستحضر الجدل الشهير بين جان بول سارتر وألبير كامو؛ فسارتر، رغم عبقريته الوجودية، سقط في فخ تبرير العنف الستاليني لفترة طويلة تحت ذريعة “الضرورة التاريخية”، وكان وعيه شقياً لأنه حاول التوفيق بين “الحرية المطلقة” وبين “الالتزام الحزبي” الأعمى.

أما كامو فيبرز كنموذج للمثقف الذي حاول الحفاظ على “نظافة يديه”، لكنه هو الآخر سقط في فخ “الصمت” أو “المواقف الرمادية” تجاه الثورة الجزائرية، إذ كان يقول: “أؤمن بالعدالة، ولكنني سأدافع عن أمي قبل العدالة”، وهذا “الوعي الشقي” يوضح كيف تتعثر الفلسفة حين تصطدم بالانتماءات الضيقة. ولا يمكن الحديث عن الوعي الشقي دون المرور بميشيل فوكو، الرجل الذي فكك “بنيات السلطة” وفضح “أدوات القمع” في السجون والمشافي، لكنه واجه اتهامات أخلاقية قاسية تتعلق بسلوكه الشخصي في تونس وغيرها، مما يدفعنا إلى السؤال: هل كان نقد فوكو للسلطة مجرد “لعبة ذهنية” بينما يمارس هو سلطة “المستشرق” في حياته الخاصة؟ إنها الضريبة ذاتها: نص يحرر البشر، وحياة تستعبد الآخرين. وربما كان نيتشه أكثرهم صدقاً في مأساويته؛ فهو لم يدَّعِ الأخلاق “المسيحية” أو “الحوارية”، بل صرخ بموت القيم القديمة وبحث عن “الإنسان الأعلى”، ورغم أن النازية وظّفت نصوصه، إلا أن نيتشه “الإنسان” كان يمقت القومية الألمانية ويمقت معاداة السامية، وهنا تتجلى المفارقة: فيلسوف “القوة” كان أكثر إنسانية في مواقفه الشخصية من فلاسفة “الديمقراطية” و”التواصل”.

إنَّ تسمية هايدغر وهابرماس بـ”الساقطين” ليست شتيمة عابرة، بل هي حكم قيمي يستند إلى ثبات الموقف الأخلاقي، وإن الضريبة التي ندفعها هي “اليتم الفكري”؛ أن نقرأ لهم ونحن نعرف أنهم لا يصلحون “قدوات”. إننا بحاجة إلى “فلسفة المقاومة” التي لا تفصل بين الرأس والقلب، فالفيلسوف الحقيقي ليس من يبني نسقاً منطقياً محكماً، بل من يرفض أن يكون “ترساً” في آلة تبرير القتل، سواء كان ذلك بالانتماء للحزب النازي، أو بالسكوت عن إبادة غزة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى