اراء

بلا عنوان

بعد مرور قرابة عشر سنوات على إبادتها.. ماذا يحدث في سنجار وإلى إين تتجه بها الأحداث المتسارعة حاليا، وما هو طوق النجاة من السقوط في حفرة حرب طاحنة بإدارة إقليمية وأدوات محلية؟

راكان رفو

من حزب واحد وقوة محلية واحدة، كانت تتحكم بقبضة حديدية، إلى احزاب كثيرة وقوات متعددة محلية وإقليمية، نظامية وغير نظامية، تتوزع فيما بينها مناطق النفوذ والسيطرة وتتصارع على توسيع السيطرة كل واحدة منها على حساب الأخرى، تحالفات واتفاقيات سرية وعلنية، فِخاخ ومؤامرات مستمرة، مكاسب وهزائم متفاوتة، البعض يقوى والبعض الأخر يضعف والجميع يحافظ على وجوده عدا الشعب الذي خسر ويخسر ارضه ووجوده، الكل يبني مستقبله عدا الشعب الذي خسر ماضيه ويخسر حاضره وسيخسر مستقبله، من إدارة مدنية واحدة إلى إدارات عديدة مدنية وعسكرية، من مجتمع سنجاري واحد إلى مجتمعات عديدة: دينية، قومية، مذهبية، مناطقية وعشائرية، من دولة عراقية واحدة إلى دول إقليمية تركية وإيرانية وأحزاب ومنظمات عابرة للحدود الوطنية، من سكان على ارضهم إلى لاجئين ونازحين ومشردين وهاربين، هذه التراكمات منذ عشر سنوات كقنبلة نووية قد تنفجر في أيَّ لحظة برصاصة مراهق مجند أو جندي مخدر أو عميل مخابرات أو حتى قاتل مأجور أو قاطع طرق وتصبح القشة التي قصمت ظهر سنجار والضحية كالعادة هو الشعب المغلوب على أمره، المنقسم على نفسه.

الدولة العراقية فقدت سيادتها على سنجار ليست في 2014، بل يعود ذلك إلى 2003، فحكومة الإقليم كانت ترفض كل شيء عراقي في سنجار بأستثناء الميزانية، والطرفين خسروا في سنجار لصالح داعش، والثلاثة خسروا لصالح اليبشه والحشد الشعبي وإيران, الأيزيديين كسبوا سنجار لأنهم الضحية ودافعوا عنها والعرب والكرد وتركيا خسروا فيها لأن الجلادين والمهاجمين والمنسحبين كانوا منهم، هذه هي المعادلة منذ واحد وعشرون سنة, وهذه هي نتائج اللعبة التي لا يتقبلها الإقليم والكرد والعرب في سنجار, وهذه هي تراكمات فشل الحكومات العراقية المتعاقبة التي لا تتقبلها الحكومة الحالية، العرب والكرد وتركيا يريدون إعادة الوضع إلى ما قبل 2014 دون دفع ثمن فشلهم وخيانتهم وتواطئهم مع داعش وهذا ما لا يقبله الأيزيديين واليبشه والحشد وإيران, والأيزيديين يجب عليهم التخلي عن إتهام  الجميع والتخلي عن خطاب التعميم بأن الجميع (دواعش) وإنما البعض (دواعش) والبعض يتحمل المسؤولية الأمنية والبعض يتحمل المسؤولية الاجتماعية والاخلاقية، وعلى الآخرين الأعتراف بهذه الحقيقية وتحملها.

اقولها منذ سنوات وأقولها الآن، المشكلة الأساسية في سنجار هي مشكلة اجتماعية بين الأيزيديين من جهة والعرب والكرد السنجاريين من جهة ثانية, وهذه هي النقطة الأساسية التي ينبغي ان تنطلق منها كافة السياسات والمبادرات الهادفة إلى حل هذه المعضلة والبوصلة التي يجب ان يعود إليها الجميع, وخارطة الطريق لنزع فتيل الحرب الطاحنة، وحل المشكلات الاجتماعية تأخذ وقت اطول، ثم يأتي بعدها الجانب الاقتصادي والإعمار, واخيرا المشكلات السياسية, لكن كل مشكلة تحتاج إلى قرار سياسي وإرادة سياسية أولا وقبل كل شيء، وجميع السياسات السابقة فشلت لأنها كانت تقفز على المراحل السابقة، لأن الإنتقال بالعدالة يجب ان تمر من خلال:

اولا – الاعتراف والمصارحة والاستعداد لتحمل المسؤولية وعدم الهروب من المشكلة وهذا ما يجب ان تقوم به العشائر والأفراد العرب في سنجار ومحيطها ومحافظة نينوى بشكل عام.

ثانيا – المحاسبة القانونية العادلة لكل من يتحمل أيَّ مسؤولية في جرائم الإبادة، وهذه الخطوة تحتاج إلى مؤسسات أمنية وقضائية مستقلة وحيادية وقوية.

ثالثا – تعويض الضحايا ماديا ومعنويا بشكل يليق بهم ويصون كرامتهم وجبر ضررهم لتعود لهم حقوقهم المسلوبة ويعالج مآساتهم.

ثم سيكون ممكنا الحديث عن المصالحة الوطنية والإندماج الاجتماعي والتوقيع على مواثيق سلام والعيش معا في ظل هوية وطنية جامعة وعلى ارض واحد وتحت سماء واحد، بالإضافة إلى خطوات اخرى كثيرة تسبق وتلاحق ما تم ذكره واهمها العدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات وطنية خدمية بعيدا عن الصراعات السياسية ونفوذ الأحزاب وتشريعات رادعة للتطرف وخطاب التحريض والعنف.

وجميع السياسات السابقة التي جاءت بها الحكومة والبعثات الاجنبية كانت تحاول الوصول إلى اعلى السلم دون ملامسة الدرجات وغض النظر عنها والنتيجة كانت فشل دائم والسقوط إلى المستنقع، هذا المستنقع الذي يعمل عليه اطراف (احزاب، مليشيات، عشائر ودول إقليمية)، لتحويله إلى فوضى خلاقة وضرب اطراف الصراع ببعضها وهذه المرة بطريقة مختلفة: ضرب الأيزيديين بالأيزيديين وضرب العرب بالعرب وضرب الجميع بالجميع عن طريق سياسة (فرق تسد)، وسنجار تتجه إلى هذه الفوضى ما لم تكون هنالك رادع قوي من الجميع، والنتيجة المترتبة على ذلك، هو خسارة الجميع لأن نار الحرب سيكون كبيرا.

(هذه القراءة التحليلية تحمل فقط المؤشرات العامة والمعلومات والأدلة والوثائق المتوفرة بين أيدينا يمكن مناقشتها مع صناع القرار المحليين في المنطقة والعمل معا من اجل حلول عاجلة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى