
ايزيدي 24 – ديفد سالم
في قرية “باطنايا” الهادئة، حيث كان السكان يضطرون للسفر إلى تلكيف للحصول على الصمون، قررت “عذراء ليث إبراهيم” أن تحدث فرقًا وتعيد الحياة إلى قريتها عبر افتتاح أول فرن للصمون، مما خفف عبء المسافة على الأهالي، خاصة كبار السن ومن لا يمتلكون سيارات.
و”باطنايا” هي قرية تقع في محافظة نينوى شمال غرب العراق، تبعد 22 كيلومترا عن مدينة الموصل و7 كيلومترات عن قضاء تلكيف.
بداية الفكرة والتحديات
عذراء، خريجة المعهد التقني وطالبة في كلية التربية الإنسانية قسم علم النفس، تعمل على تحقيق طموحها رغم انشغالها بدراستها المسائية.
عن مشروعها تقول، “جاءتني فكرة افتتاح الفرن لأن قريتنا كانت تفتقر إليه تمامًا. كنت أرى معاناة السكان، خاصة كبار السن والذين لا يملكون وسيلة نقل لجلب الصمون من تلكيف. الصمون شيء أساسي، ولا يمكن الاستغناء عنه، لذلك قررت أن أبدأ هذا المشروع رغم التحديات”.
لم يكن الطريق سهلاً، فقد واجهت “عذراء” عدة صعوبات، أبرزها إجراءات اللجان التفتيشية المعقدة، وارتفاع أسعار المواد الأولية بسبب غلاء الدولار.
وتضيف، “نشتري كيس الطحين بسعر 49,500 دينار من الموصل لأن باطنايا تفتقر للمواد الأولية، ونتمنى أن تتوفر هنا يومًا ما. في القرية يعيش حوالي 350 عائلة، وجميعهم يعتمدون على الفرن”.
دعم العائلة والمجتمع
رغم كل هذه العقبات، لم تحصل عذراء على أي دعم مادي، لكنها وجدت دعمًا معنويًا قويًا من عائلتها، وخاصة والدتها التي تعيش في أستراليا وتعمل في معمل للحلويات والمعجنات.
تتحدث عنها بحب قائلة، “أمي كانت الداعم الأساسي لي، رغم أنها بعيدة عني، لكنها دائمًا تشجعني وتؤمن بقدرتي على النجاح. قالت لي: ماكو مهنة المرأة ما تقدر تفتحها وتديرها، ما دام عندنا الطموح والإصرار، فراح نوصل وننجح. أتمنى أن تأتي للعراق وتساعدني في مشروعي”.
كما لم تنسَ عذراء دور حماتها التي تساعدها في رعاية أطفالها أثناء انشغالها بالفرن، مما يمنحها الفرصة للعمل والتركيز على مشروعها.
تشغيل الفرن وخدمة المجتمع
يفتح الفرن أبوابه منذ الساعة السادسة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا، ويعمل به ثلاثة عمال بالإضافة إلى عذراء التي تقوم بالمساعدة في العجن والتقطيع وتحضير الصمون للزبائن.
ورغم حداثة المشروع، أصبح الفرن الوحيد في المنطقة، وتعتمد عليه أيضًا قرية باقوفا التي تبعد عن تلكيف.
إعادة تشغيل الفرن
لم يكن الفرن مشروعًا جديدًا بالكامل، فقد افتتحه أحد أقاربها عام 2020، لكنه اضطر لإغلاقه بسبب ظروفه الصحية. وعندما سنحت الفرصة، قامت عذراء بشرائه وإعادة تشغيله بعد تطويره وسد النواقص فيه. تضيف بفخر، “رغم أن الفرن مفتوح منذ فترة قصيرة، إلا أننا قادرون على تجهيز المطاعم والحفلات التي تُقام هنا”.
رسالة عذراء وأثر المشروع
عذراء تؤمن بأن النجاح يأتي بالإصرار والتحدي، وتطمح إلى توسيع مشروعها في المستقبل ليخدم قريتها بشكل أكبر.
وتختم حديثها قائلة، “من متطلبات الحياة الأساسية وجود الأفران والأسواق. قبل أن أفتتح الفرن، كان الناس يذهبون إلى الموصل أو تلكيف لشراء الصمون، أو يشترونه من سيارة واحدة كانت توزعه بكميات محدودة. اليوم، أصبح الفرن مصدر راحة للأهالي، بل إنه أصبح أيضًا وسيلة لدعم العائلات المتعففة، حيث تبرع أحد الخيرين في أمريكا بتوزيع الصمون على 60 عائلة محتاجة في باطنايا”.
عذراء لم تؤسس مجرد فرن، بل قدمت خدمة حيوية لمجتمعها، وأصبحت نموذجًا للمرأة القوية التي تصنع الفرص بدلًا من انتظارها.