Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
قصص صحفية

خيط لا يراه أحد

سرمد سليم 

لم أكن أؤمن بالصدف، كنت أرى العالم شبكة كثيفة من الضرورات، كل خيط يشد خيطاً، وكل خطوة تجر قدراً لا يمكن الفرار منه.
لكن ما حدث في ذلك اليوم في كلية التربية بجامعة دهوك دفعني إلى الشك في كل شيء، حتى في يقيني.
كأن الوجود نفسه، من فرط تلاعبه، قرر أن يعثر علي وأنا أراقب وجهي يشيخ في مرايا المقصف الجامعي.
كنت شاعراً بلا شهرة، شاعراً يعيش في غرفة ضيقة في القسم الداخلي وحيدا، يكدس أصوات شنكال كلها في درج واحد: أصوات الجبل، النار، التراب، النساء الذاهبات في القيظ، والنداءات التي لم يجبها أحد.
كان التزامي الوحيد تجاه العالم هو أن أكتب، لا لأغير شيئاً، بل لأؤكد لنفسي أني ما زلت موجوداً.
في ذلك الصباح، جاءت إلى كلية التربية فتاة متوسطة الطول، هادئة، تتقدم بخطوات لا يبدو أنها تخص المكان.
قال أحد الطلاب إنها من بغداد، وإن والدها شيوعي سابق، باع مبادئه كما يبيع البطاقات في نادي القمار، وإنه حالياً يمتلك محلاً لبيع الخمور في منطقة شعبية في بغداد الجديدة.
اسمها مايا.
اسم يشبه جملة ناقصة، تنتظر من يكملها.
لم ألتقِ بها صدفة. كنت أراقب الظلال، لا الوجوه.
كانت تقف على درج الكلية تحمل كتب الفلسفة وعلم النفس، كمن يخبئ قنبلة خلف ظهره.
حين نظرت إليها أول مرة، شعرت بشيء يشبه ضربة في مؤخرة الرأس:
نعم، هذا هو العبث الذي تحدث عنه سارتر، العبث الذي يضربك ثم يعود ليمنحك معنى مؤقتاً… معنى هشاً مثل حياة طالب في جامعة حكومية.
تعرفت عليها في درس “علم النفس المعرفي”.
جلست بجانبي دون مقدمات.
سألتني بصوت منخفض:
— أنت من شنكال؟
— نعم.
— إذن… أنت تعرف معنى أن نرى العالم مكسوراً ونستمر.
ضحكتُ بخفوت. كان في جملتها شيء يتجاوز عمرها.
لم تكن تشبه الطالبات اللواتي يرتدين الطموح كأنه زينة.
كانت تشبه شخصاً نجا من شيء ما، لكنه لم يفهم بعد كيف نجا.
سألتها عن بغداد.
قالت بلامبالاة مؤلمة:
— مدينة لا تنام، لأن الناس يخافون أحلامهم.
ثم أضافت:
— أبي يقول إن الإنسان لا يعرف الحرية إلا حين يخسر كل شيء.
— وأبوك… ماذا خسر؟
— خسر الثورة. ففتح محل خمر. خسر أصدقاءه. فصار يقامر. خسر أمي. فأصبح يشرب.
ثم ابتسمت:
— لكنه ما زال يسارياً في اطلاق الشتائم.
كان كلامها يجرني نحوها، لا بدافع الحنين أو الرغبة، بل بدافع سؤال وجودي بحت:
كيف يمكن لشخص أن يكون كل هذا التناقض وأن يبقى واقفاً؟
صرت ألتقيها كل يوم تقريباً.
نمشي في الممرات الضيقة، نتبادل جملاً قصيرة تشبه نصوص الفلاسفة: كلمات خالية من الزينة، مشدودة إلى لحم الحقيقة.
كانت تقول إن دهوك مدينة آمنة، آمنة أكثر مما يجب، وإن هذا يزعجها.
“الأمان الزائد”، قالت، “نوع من النوم الجماعي”.
وذات ظهيرة خريفية، جلسنا في الحديقة المجاروة للكلية.
كانت الشمس تهبط على كتفيها ببطء، وهي تقلب كتاب لسارتر بعناية تشبه العطف.
قالت لي فجأة:
— هل تعرف لماذا أحب الشعراء؟
— لماذا؟
— لأنهم يكذبون بصدق.
— وماذا عن الفلاسفة؟
— يكذبون بثقة.
— وأنا؟
— أنت تحاول أن لا تكذب… وهذا يدمرك.
ثم ساد الصمت، ذلك الصمت السارتري الذي يشبه باباً مفتوحاً على هاوية.
في تلك اللحظة، فكرت أن أعترف لها بما يتخبأ في صدري:
أن كل شيء في وجودي صار مرتبطاً بخطوتها في ممرات الكلية، بنبرة صوتها، وبصراعها الحزين مع أبيها الذي يبيع الخمر كأنه يبيع أجزاءه القديمة.
لكني لم أقل شيئاً.
سارتر كان يهمس في أذني:
“الإنسان محكوم بالحرية… والحرية فعل، لا اعتراف”.
ولأنني لم أفعل شيئاً، فقد خسرت شيئاً.
قبل نهاية الفصل الدراسي، قالت إنها ستعود إلى بغداد.
سألتها:
— هل سنلتقي مجدداً؟
أجابت:
— لا أعرف.
— هل تريدين؟
— لا أعرف أيضاً.
ثم رفعت عينيها نحوي وقالت:
— أنت شاعر… والشاعر لا يحتاج وجوداً ملموساً ليحب. يكفيه الخيط. الخيط الرفيع بين الحلم والحقيقة.
وغادرت.
في اليوم التالي، أيام الامتحانات، كنت جالساً في الصف، أحل أسئلة لا تهم أحداً، حين سمعت صوتاً يوقظني بقسوة:
— سرمد! لك ساعة نايم! ما راح تلحق الامتحان؟
فتحتُ عيني.
كنت على مقعدي، ورأسي فوق الورقة.
لم تكن مايا هنا.
لا خطوات، لا ظلال، لا نصوص وجودية.
لكن شيئاً واحداً بقي:
الخيط.
ذلك الخيط الذي يجعلني، رغماً عن العالم، أشعر بأن وجودي حدث فعلاً… ولو لمرة واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى