بين تحركات بغداد وتطلعات الإيزيديين، سنجار تدخل مرحلة «السلاح الموحد»

تتوج تحركات بغداد الأخيرة مرحلة أمنية جديدة في سنجار مع بدء تنفيذ ترتيبات دمج القوات، حيث تؤكد كتلة تحالف القضية الإيزيدية النيابية أن تولي الشباب حماية مناطقهم رسمياً يمنحهم الأمان والخصوصية ويشجع النازحين على العودة. فيما يرى مراقبون أن خطوات العاصمة تُعزز حصر السلاح وتوحيد القرار، لينتقل الثقل مستقبلاً نحو حسم الإدارة وتوفير الخدمات.
الخطوة العملية الأولى
ويقول رئيس كتلة تحالف القضية الإيزيدية النيابية مراد إسماعيل، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأربعاء (23 أيلول سبتمبر 2026)، إن ”زيارة رئيس أركان الجيش إلى سنجار تمثل الخطوة العملية الأولى في تنفيذ الترتيبات الأمنية الأخيرة التي جرى التوصل إليها قبل أسابيع مع رئيس الوزراء، ونحن نرحب بها”.
ويضيف، أن ”الاتفاق يجري تنفيذه حالياً من قبل اللجنة الأمنية الحكومية المكلفة، والقوات الإيزيدية تؤمن بأن أفضل الخيارات أمامها يتمثل في الاندماج ضمن المؤسسة الرسمية، فيما ترى الدولة أن استقطاب الشباب الذين قاوموا تنظيم داعش وتلقوا تدريباً جيداً ضمن المؤسسة الأمنية يمثل إضافة لها”.
ويبين، أن ”الإيزيديين، بوصفهم شعباً تعرض للإبادة على يد داعش والمجاميع الإرهابية، يجب أن يضمن اندماج شبابهم في المؤسسة الأمنية حماية وخصوصية لهم، من خلال توليهم حماية مناطقهم ضمن إطار الدولة”.
ووصلت لجنة أمنية رفيعة المستوى برئاسة الفريق أول الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، أمس الثلاثاء، إلى قضاء سنجار غربي محافظة نينوى.
وبدأ الوفد عقد سلسلة اجتماعات مكثفة مع القادة والتشكيلات العسكرية المتواجدة داخل سنجار، وفي مقدمتها “وحدات حماية سنجار” و”وحدات المرأة” إلى جانب عدد من الفصائل الأخرى، بهدف بحث آليات إعادة تنظيم الملف الأمني وتسليم الأسلحة للسلطات الحكومية.
وتأتي هذه الزيارة الميدانية استكمالاً للبيان الصادر في 11 أيلول سبتمبر عن علي فالح الزيدي، رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، والذي أعلن فيه اتفاقاً يقضي بتسليم فصائل الجبهة التابعة للمقاومة في سنجار أسلحتها للدولة، وإخضاع جبل سنجار بالكامل لسيطرة الحكومة الاتحادية ومؤسساتها الأمنية والإدارية.
وكان رئيس الوزراء قد قرر تشكيل لجنة أمنية وقدم توجيهات بإعداد تقرير شامل حول الأوضاع الأمنية والخدمية في سنجار، تتولى متابعة تنظيم أوضاع منتسبي “وحدات مقاومة سنجار”، وتدميج المستوفين للشروط منهم ضمن المؤسسات الأمنية والخدمية الرسمية وفق الأطر القانونية.
ثقة الإيزيديين
وعن متطلبات العودة الآمنة والمستدامة إلى سنجار، يؤكد إسماعيل، أن ”الإيزيديين يحتاجون إلى مزيد من الانخراط في المؤسسة الأمنية العراقية، أفراداً وقيادات، وأن يكونوا جزءاً من حماية مناطقهم، لما يمنحه ذلك من إحساس كبير بالأمان”.
ويعول على أن ”يسهم هذا الاندماج في بناء ثقة إضافية لدى المكون الإيزيدي وتشجيعه على العودة إلى سنجار، ولا سيما أن نصف السكان ما يزالون نازحين”.
وأكد قائد القوات البرية الفريق الركن قاسم المحمدي، أن القوات العراقية تمتلك السيطرة الجوية، إلى جانب الطائرات المسيرة وخطوط دفاعية لم تكن موجودة منذ عشرات السنين، مشدداً على عدم قبول وجود أي مسلح غير عراقي داخل القضاء.
وأوضح المحمدي، بحسب تصريحات أوردتها الوكالة الرسمية، أن الحدود العراقية باتت ممسوكة بسياج من الحديد، فيما أحكمت القوات الأمنية السيطرة عليها، إلى جانب إنشاء خطوط دفاعية متقدمة خلف القطعات المنتشرة، في إطار تعزيز السيطرة الأمنية ومنع حدوث فراغات يمكن استغلالها.
دمج القوات
من جهته، يرى الخبير الأمني اللواء الركن المتقاعد عماد علو، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأربعاء، أن ”دمج القوات في سنجار يأتي في مرحلة حساسة، بالتزامن مع الاقتراب من أيلول وموعد رحيل القوات الأمريكية عن العراق، فضلاً عن تزامن هذه المرحلة مع برنامج الحكومة الرامي إلى حصر السلاح بيد الدولة”.
ويضيف، أن ”خطوة دمج القوات في سنجار تنسجم مع توجه الحكومة نحو حصر السلاح وإنهاء تعدد مراكز اتخاذ القرار الأمني، ولا سيما في مناطق التوتر داخل سنجار التي تشهد وجود عدد من القوات التي تحمل السلاح، فيما يقع قسم منها خارج سيطرة الدولة”.
الأمن المحلي
ويعتقد علو، أن “هذه الخطوة تصب في مصلحة الاستقرار والأمن المحلي، باعتبار أن دمج هذه القوات ضمن الأجهزة الأمنية المحلية من شأنه توحيد القرار الأمني”، مستدركاً بأن ”المسألة الأساسية تتمثل في مدى خضوع هذه القوات فعلياً ورسمياً للجهات الحكومية في ملفات الرواتب والتنقلات والتجهيز والتسليح”.
ويتابع، أن ”مصير منتسبي هذه القوات يمثل نقطة أساسية أخرى، بما يتناسب مع التعليمات والقوانين التي تخضع لها القوات الأمنية المحلية التابعة للحكومة العراقية”.
ويبين الخبير الأمني، أن ”المشهد الحالي يشهد تسليم عدد من الفصائل أسلحتها إلى الحكومة في مناطق مختلفة من العراق، في إطار عملية ما تزال جارية، والخطوة المتعلقة بقوات حماية سنجار ستكون مهمة لتخفيف التوترات وإعادة النازحين والمهجرين من هذه المناطق بعد التوترات الأمنية التي كانت سائدة فيها سابقاً، فضلاً عن إعادة السلطة الحكومية إلى جبل سنجار والمناطق المحيطة به”.
تطلع إيزيدي
إلى ذلك، يقول الكاتب الصحفي سامان داود، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأربعاء، إن ”أهالي سنجار ينظرون إلى زيارة رئيس أركان الجيش العراقي باعتبارها زيارة مهمة، خصوصاً أنها جاءت بعد الاتفاق الأخير بين الحكومة العراقية ووحدات مقاومة سنجار. والأنظار كانت متجهة إلى هذه الزيارة لكونها تمثل الخطوة التالية للاتفاق الذي حصل في بغداد بشأن دمج القوات الإيزيدية في صفوف القوات الأمنية العراقية”.
ويؤكد، أن ”الإيزيديين يتطلعون إلى حل هذا الملف بما يحفظ وجودهم الأمني ضمن المؤسسة الأمنية العراقية، وأن يكون الاتفاق وسيلة لضمان أمن الإيزيديين في سنجار”.
ويلفت داود إلى “وجود مخاوف إيزيدية قائمة من تأثير قوى سياسية على موقف الحكومة العراقية وتغيير مسار الاتفاق، لذا زيارة رئيس أركان الجيش عبد الأمير رشيد يارالله كانت مهمة لإعطاء دفعة للمضي قدماً في الاتفاق والتوصل إلى تفاهم نهائي بشأن شكل الاندماج”.
وبالتوازي مع تعزيز الانتشار الأمني، شدد الفريق المحمدي على أن أي مسلح غير عراقي يجب أن يغادر سنجار، مؤكداً اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم بقاء أي مسلح خارج القانون داخل القضاء، مع الإشارة إلى أن ملف سنجار سيتقدم بخطوات كبيرة خلال المرحلة المقبلة.
حضور سلطة بغداد
ويشير داود إلى أن ”السلطة المركزية باتت واضحة اليوم في سنجار من خلال الجيش العراقي والقوى الأمنية الأخرى، فيما يبقى العامل الأكثر تأثيراً هو غياب الإدارة بسبب الخلافات السياسية، وهو الأكثر تأثيراً على الوضع الداخلي في سنجار”.
وعن عودة النازحين، يوضح، أن ”الإيزيديين يعودون اليوم إلى مناطقهم، وأن عشرات العوائل سجلت أسماءها للعودة، وما كان يمنع عودتهم سابقاً كان أمراً سياسياً لأسباب انتخابية، وكان يستغل من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني”.
ويختتم داود، بأن “الإيزيديين ينتظرون من الحكومة العراقية توفير برنامج إعمار واقعي وحقيقي وتقديم الخدمات”، مؤكداً أن “الأولوية في الوقت الحالي تتمثل في حسم ملف إدارة سنجار وتعيين قائممقام للقضاء يحظى بمقبولية لدى الإيزيديين ومكونات سنجار”.
وتأتي هذه المواقف في وقت تؤكد فيه القوات الاتحادية وسلطات الإقليم استمرار التنسيق المتبادل، بما يضع سنجار أمام مرحلة تتركز على إنهاء الفراغات الأمنية وتوحيد السيطرة على الأرض، لتتحول المعضلة من تثبيت خطوط الدفاع إلى حسم هوية الجهة التي تحمل السلاح وتدير الأمن داخل القضاء.



