تقارير

من الإبادة إلى أروقة السلطة في أوروبا.. الإيزيديون يفوزون بعدة مقاعد بلدية في ألمانيا..فلماذا يفشلون في العراق؟

ايزيدي24 بالتزامن مع شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية 

 

أثار فوز مجموعة من الشخصيات الإيزيدية بمقاعد في المجالس البلدية بألمانيا، نقاشاً بين النخب الايزيدية، تناول ما يعنيه ذلك النجاح وأسبابه الموضوعية؛ وتطرق الى الاندماج السريع لهذه الفئة في المجتمع الألماني وصولا الى بعض مراكز السلطة المحلية، في وقت مازال الفشل السياسي في العراق يلاحقهم كما الحرمان الخدمي والاقتصادي وغياب الاعمار عن مناطقهم.

وهو ما يفرض بحسب كتاب ايزيديين، أسئلة مهمة: عن أسباب نجاحهم السياسي والانتخابي في المانيا حتى لو كان محصورا ضمن مجالس محلية، في ظل حضورهم السكاني المحدود هناك، وفشلهم “المزمن” في ايصال صوتهم في العراق رغم ما يشكلونه من ثقل سكاني؟

حرمان ومعاناة وتغييب

يرى غالبية الايزيديين، انهم، وبسبب طبيعة النظام السياسي والاجتماعي، محرومون من الكثير من حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية، وان أصواتهم مازالت تكتم ويمنعون من الوصول الى المواقع القيادية حتى في أعقاب عمليات الإبــ.ادة والقتل الجماعي التي تعرضوا لها على يد تنظيم “داعش” وقبلها “القاعدة”.

وتعاني مناطق انتشار الايزيديين، في سنجار وسهل نينوى، من الاهمال، وقلة الخدمات والاعمار، وافتقاد المشاريع البنيوية الصناعية والزراعية. وهو ما يجعل الكثير من مناطقهم شبه مهجورة، خاصة مع استمرار هجرتهم الى خارج البلاد بحثا عن حياة أفضل.

كما ان مناطقهم انتشارهم، مازالت تشهد صراعات أمنية ونزاعات سياسية بين قوى وفصائل مختلفة محلية وإقليمية؛ حولت مدنهم وقراهم إلى ساحة لتصفية الحسابات على المستويين المحلي والإقليمي. فيما جرى تغييب صوتهم طوال عقدين ونصف من كل القرارات المهمة التي تعلقت بادارة مناطقهم وتسيير حياتهم.

نجاح في الانتخابات البلدية بألمانيا.. لماذا؟

في المانيا تبدو الصورة مختلفة، فالحضور الايزيدي يحقق نجاحات رغم حداثة التجربة وصعوبات الاندماج في المجتمعات الجديدة.

ويرى مراقبون للمشهد السياسي- الاجتماعي، أن نجاح مرشحين إيزيديين في المجالس البلدية الألمانية خلال الانتخابات التي جرت قبل أسبوع، جاء نتيجة ارتفاع أعداد الإيزيديين الذين ينخرطون في العمل الحزبي ويخوضون الانتخابات المحلية في السنوات الأخيرة، ضمن قوائم حزبية متنوعة، وخاصة في ولايات سكسونيا السفلى ونورد راين فستفاليا.

ويظهر هذا التوجه نجاح الكثير من الايزيديين (الهاربين من قمع مجتمعاتهم الأصلية في تركيا وسوريا والعراق) في الاندماج مع مجتمعاتهم الجديدة، وقدرتهم ورغبتهم في ان يكونوا جزءا فاعلا في المجتمع الألماني، طالما ان النظام السياسي والاجتماعي يشجعهم على ذلك.

كما يعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأن ألمانيا أصبحت -كما يصفها كثيرون- “وطناً ثانياً” للايزيديين يستحق مشاركة مدنية كاملة، دون أن يتطلب ذلك التخلي عن الهوية أو اللغة أو التراث.

فشل هنا ونجاح هناك؟

لكن هذا النجاح الايزيدي في المانيا، يضع أسئلة كثيرة عن سبب فشلهم في الوصول الى مواقع القرار السياسي والخدمة العامة في بلدهم العراق، رغم ثقلهم السكاني في بعض المحافظات، وتوفر الكفاءات السياسية والادارية.

كتاب ومحللون، يبرزون أسبابا مختلفة لعدم النجاح ذلك، خاصة ما يرتبط “بنظام سياسي اجتماعي ديني يقصيك في العراق من المشهد، وآخر يفتح لك الأبواب للاندماج بعيدا عن عقد الدين والهوية والخلفية”.

البعض يشير الى “بيئة النجاح” في ألمانيا التي سمحت للايزيديين كمواطنين بالعمل والترشح والصعود، حيث تُفتح أبواب المشاركة السياسية الحقيقية والانخراط الايجابي الفاعل في أحزاب مختلفة التوجهات لكنها صادقة في شعاراتها ومع جمهورها، ليبدأ من هناك بناء شبكات محلية ومع حضور حقيقي في القواعد الحزبية قبل مواسم الانتخابات بسنوات.

مواقف ورؤى لنخبة من الكتاب الايزيديين: ما المشكلة؟ .. كيف نعزز حضورنا؟

الكاتب الايزيدي ماجد حسن سلو:

– في ألمانيا، عندما تبحث الأحزاب عن مرشح، فإنها تسأل: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم للناس؟ وما برنامجه؟ وما أفكاره؟ وكيف يستطيع أن يخفف من مشكلات المواطنين؟ وبعد ذلك يأتي الناخب ليسأل نفسه: هل هذا الشخص يستطيع أن يمثلني ويخدم مدينتي؟

– أما في العراق، فالسؤال قد يتحول أحيانًا إلى: من هو أبوه؟ من هو عمه؟ إلى أي عشيرة ينتمي؟ ما مذهبه؟ ما دينه؟ ما الحزب الذي يقف خلفه؟ وكم صوتًا يستطيع أن يجلبه؟.

– أسباب النجاح في المانيا والفشل في العراق، تكمن في بيئة العمل. هنا يكثر الحديث عن شراء الأصوات، وعدم الثقة أصلًا بنزاهة العملية الانتخابية، والحديث عن المال السياسي واستغلال حاجات الناس، خصوصا في الفترات التي تسبق الانتخابات. ويبرز هنا سؤال حساس: لماذا يستطيع المال أن يشتري أصوات البعض؟ أليس السبب هو فقدان الاستقلال الاقتصادي، حتى يصبح صوته نفسه سلعة؟.

 

أما في العراق، فالسؤال قد يتحول أحيانًا إلى: من هو أبوه؟ من هو عمه؟ إلى أي عشيرة ينتمي؟ ما مذهبه؟ ما دينه؟ ما الحزب الذي يقف خلفه؟ وكم صوتًا يستطيع أن يجلبه؟

– المقارنة بين الأحزاب الألمانية والعراقية والكردستانية، مقارنة غير عادلة، في بعض الديمقراطيات الأوروبية، قد يتحمل رئيس حزب مسؤولية خسارة انتخابية أو خطأ سياسي، فيتنحى. أما عندنا، فقد يرتكب الحزب الأخطاء، ثم يتحول الخطأ إلى إنجاز، والفشل إلى انتصار، والخسارة إلى مؤامرة خارجية! وقد يبقى رئيس الحزب في منصبه حتى يصبح السؤال ليس: متى يستقيل؟ بل: متى تنتهي دورة الحياة؟.

– لدينا في العراق وإقليم كردستان عدد أكبر من الإيزيديين، وتاريخ أطول، وأرض وقضية وحقوق ومآسٍ لا تحتاج إلى تعريف. ومع ذلك، عندما تأتي الانتخابات قد نكتشف أن هذا العدد الكبير لم يتحول إلى تمثيل سياسي يتناسب معه. فالمشكلة إذن ليست دائمًا: “كم نحن؟”، بل: “كيف نستخدم قوتنا؟ ومن نختار لتمثيلنا؟ وهل نحاسب من يمثلنا بعد أن يصل إلى المنصب؟”.

– ربما علينا أن نبدأ بسؤال بسيط: إذا كان عشرة إيزيديين قد استطاعوا الوصول إلى المجالس البلدية في ألمانيا، فهل المشكلة في أن الإيزيديين في العراق أقل عددًا؟ بالتأكيد لا. المشكلة في الطريقة التي تتحول بها الكثرة السكانية إلى قوة سياسية.

– السياسة لا تعمل بمنطق: لدينا نصف مليون إذن يجب أن نفوز. بل تعمل بمنطق: لدينا نصف مليون… فكيف ننظم هذا العدد، وكيف نختار من يمثلنا، وكيف نحاسبه؟.

الكاتب والصحفي الايزيدي المقيم في ألمانيا سامان داود:

– نعم فوز الايزيديين في عدد من مجالس البلدية في ألمانيا أتى في مدن صغيرة فيها جالية ايزيدية كبيرة، لكنه تحقق في ظل توفر مستلزمات الاندماج الناجح، وهو ما دفع الألمان للتصويت “لبرامجهم ولهم” بعيدا عن عقد الانتماء.

– أغلب الفائزين يعيشون منذ فترة طويلة في المانيا، وبعضهم ولد هناك وفتحت له أبواب الانخراط في العمل السياسي والاداري البلدي، وهذا سبب اضافي لتحقيق الاندماج الناجح وبناء الثقة.

– أغلب الفائزين هم من سوريا وتركيا لأنهم سبقوا الايزيديين الآخرين في القدوم إلى ألمانيا ولهم باع طويل فيها.

– مع تحقق النجاح في بعض المناطق، هناك فشل في مناطق أخرى، فأعداد الايزيديين في ولاية ساكسونيا السفلى “نيدرزاكسن” كبير ولكنهم فشلوا في الحصول على مقعد داخل برلمان الولاية. وهذا بديهي في السياسة فأنت تتنافس هنا ببرامج محددة يصوت لها، وليس على أساس الهوية.

الكاتب الايزيدي سفو قوال سليمان:

– مستقبل الحضور السياسي الإيزيدي في ألمانيا لا يجب أن يكون حكراً على حزب أو تيار واحد. فالمشهد الحزبي الألماني واسع ومتنوع، من اليسار إلى اليمين، ومن الخضر إلى الليبراليين والمحافظين، وعلى الشباب الإيزيدي أن يكون حاضراً في كل هذا الطيف، لا في زاوية واحدة منه.

– هذا التنوع في الانتماء الحزبي ليس تناقضاً، بل قوة. فكلما توزع الحضور الإيزيدي على مختلف الأحزاب، كلما أصبحت قضايا الجالية جزءاً من النقاش السياسي العام بدل أن تبقى مطلباً معزولاً يرتبط بطرف سياسي بعينه. الشاب أو الشابة الإيزيدية التي تنخرط في حزب يميني، وتلك التي تنشط في حزب يساري أو بيئي، كلاهما يخدم القضية ذاتها من زاويتين مختلفتين، وكلاهما يوسّع دائرة الأصدقاء والحلفاء السياسيين للجالية.

– يحتاج الايزيديون أن يكون لنا حضور في الاحزاب اليمينية وليس اليسارية وحدها، فتواجدهم حاليا ضعيف في الحزب الديمقراطي والذي يمتلك شعبية كبيرة في المانيا . الحضور في اي حزب سياسي نشط في المانيا سيكون مفيدا لمصالح الجالية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى