العشيرة إطار اجتماعي وليست حصة سياسية

فيصل العبدي
نعم لاحترام العشائر ودعمها، ولا لتكريس الانتماء العشائري أساساً للتمثيل السياسي ، أكن كل الاحترام والتقدير لجميع العشائر وأؤمن بأهمية دورها الاجتماعي في تعزيز الروابط بين أبناء المجتمع وحل النزاعات وترسيخ قيم التكافل والتعاون والحفاظ على النسيج الاجتماعي ، فالعشائر بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع لها مكانتها ودورها الذي لا يمكن إنكاره أو التقليل من أهميته
لكن احترام العشائر وتقدير دورها الاجتماعي لا يعني بالضرورة تحويل الانتماء العشائري إلى قاعدة لتنظيم الحياة السياسية أو توزيع المناصب والتمثيل داخل المجتمع ، فهناك فرق جوهري بين العشيرة بوصفها إطاراً اجتماعياً له مكانته وبين اعتمادها أساساً لتحديد من يحق له تمثيل المجتمع سياسياً أو من ينبغي أن يتولى مسؤولية إدارية أو سياسية معينة
إن مصدر قلقي الحقيقي هو تأسيس عُرف سياسي جديد في المنطقة يقوم على توزيع التمثيل السياسي وفق الانتماءات العشائرية بدلاً من الاحتكام إلى الكفاءة والاستحقاق والإرادة المجتمعية ، فمثل هذا العُرف وإن بدا في بدايته وسيلة لتحقيق التوازن بين العشائر وضمان مشاركة الجميع سيتحول مع مرور الوقت إلى نظام غير معلن للمحاصصة يصعب تجاوزه أو تعديله لاحقاً
وتكمن الخطورة في أن يتحول التمثيل السياسي من حق متاح لجميع أبناء المجتمع إلى حصة مرتبطة بحجم العشيرة أو نفوذها أو قدرتها على فرض حضورها
وعندها لن يكون السؤال من هو الشخص الأكثر كفاءة وقدرة على خدمة المجتمع؟
بل سيصبح إلى أي عشيرة ينتمي؟ وما حجم تمثيل عشيرته؟ وهل حصلت هذه العشيرة على حصتها أم لا؟
وهنا نكون قد انتقلنا من منطق المواطنة والكفاءة إلى منطق الحصص والانتماءات ومن التنافس على تقديم البرامج والحلول إلى التنافس على تثبيت النفوذ والحصول على المواقع
ولعل التجربة السياسية العراقية تقدم لنا افضل واقرب مثالاً يستحق التأمل ، إذ ارتبطت المحاصصة السياسية في مراحل مختلفة من الحياة السياسية بتوزيع المناصب والنفوذ وفق التوافقات والانتماءات الحزبية والمكوناتية وقد أسهم هذا النهج بحسب انتقادات واسعة له في إضعاف معايير الكفاءة والمساءلة وتعزيز التنافس على الحصص بدلاً من التركيز على جودة الإدارة والخدمات العامة
ومن هنا فإن مخاوفي لا تتعلق بالعشائر نفسها ولا تنتقص من مكانتها الاجتماعية وإنما تتعلق باحتمال قوي وقوي جداً بنقل منطق المحاصصة من المستوى السياسي العام إلى المستوى المحلي بحيث تصبح العشائر وحدات للتنافس على التمثيل والنفوذ بدلاً من أن تكون شريكاً اجتماعياً في حماية الاستقرار وتعزيز التعايش
أما الخطر الآخر فيتمثل في الدور الذي قد تؤديه بعض الأطراف السياسية في تكريس هذا التوجه وتعميق الانقسامات بين أهالي المنطقة
فقد تجد بعض الجهات في الانتماءات العشائرية وسيلة لبناء قواعد نفوذ محلية أو استقطاب المؤيدين أو إعادة تشكيل موازين القوة بما يخدم مصالحها السياسية ، وعندما تتداخل المصالح السياسية مع التنافس العشائري قد تتحول الخلافات على المواقع والتمثيل إلى حساسيات اجتماعية تمتد آثارها إلى العلاقات بين العائلات والأفراد
والمشكلة هنا أن الخلاف السياسي قد ينتهي بتغيير التحالفات أو تبدل المصالح لكن آثاره الاجتماعية قد تبقى لسنوات دون المساس به ، خصوصاً عندما تربط المواقف السياسية بكرامة العشائر ومكانتها وحقوقها المفترضة ، وعندها قد يجد أبناء المنطقة أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضاً بسبب صراعات لم تكن في أصلها سوى تنافس على منصب أو نفوذ أو مصلحة سياسية
وفي منطقة مثل شنگال التي عانى أهلها من الإبادة والنزوح والتهجير والتفكك الاجتماعي تكتسب هذه المخاوف أهمية مضاعفة ، فالمجتمع بحاجة إلى استعادة الثقة بين أبنائه وتعزيز الشعور بالمصير المشترك وتوسيع مساحات التعاون بين مختلف مكوناته لا إلى إنشاء قواعد جديدة قد تعيد إنتاج الانقسامات بأشكال مختلفة
إن ما نحتاج إليه هو بناء ثقافة سياسية محلية تتسع للجميع وتحترم العشائر ومكانتها لكنها لا تجعل الانتماء العشائري شرطاً اساسياً للتمثيل أو معياراً لتوزيع المسؤوليات
شنگال تحتاج الى ثقافة تتيح لأي شخص يمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية والقدرة على العمل أن يحظى بفرصة عادلة لخدمة مجتمعه بصرف النظر عن عشيرته أو خلفيته الاجتماعية أو انتمائه السياسي
فمن حق أبناء العشائر المشاركة في الحياة السياسية ومن حقهم ترشيح الأشخاص الذين يرونهم مناسبين كما أن من حق أي فرد أن يحظى بدعم أبناء مجتمعه على أساس برنامجه وقدراته ، لكن ذلك يختلف تماماً عن الاتفاق المسبق على أن تكون لكل عشيرة حصة محددة في التمثيل السياسي أو أن يصبح الانتماء إليها أساساً غير معلن لتوزيع المواقع والمسؤوليات
أنا لا أعارض وصول شخص إلى موقع سياسي لأنه ينتمي إلى عشيرة معينة وإنما أعارض أن يكون انتماؤه العشائري هو السبب في وصوله أو أن يصبح هذا الانتماء معياراً لتحديد فرص الآخرين
فالعشيرة لا تمنح الشخص الكفاءة تلقائياً كما أن عدم الانتماء إلى عشيرة ذات نفوذ لا ينتقص من قدرات الفرد أو حقه في المشاركة ، والكفاءة ليست حكراً على عشيرة دون أخرى بل هي موجودة لدى جميع أبناء المجتمع ومن واجبنا إتاحة الفرص العادلة أمام الجميع دون حصرها بقاعدة واحدة
ولا ينبغي أن يتحول دعم شخص كفؤ من إحدى العشائر إلى انتصار لعشيرته على العشائر الأخرى بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه اختياراً لشخص قادر على خدمة المنطقة بأكملها ، فالمسؤول السياسي بعد توليه منصبه لا يمثل عشيرته وحدها وإنما يتحمل مسؤولية تجاه جميع المواطنين بمن فيهم من لم يصوتوا له أو لم يؤيدوا وصوله إلى المنصب
لذلك من المهم ألا نخلط بين احترام العشائر وبين منح قياداتها حقاً حصرياً في تحديد ممثلي المجتمع أو افتراض أن كل عشيرة تتحدث بصوت واحد وتمتلك موقفاً موحداً ، فداخل كل عشيرة توجد آراء وتوجهات ومواقف مختلفة ومن حق أفرادها التعبير عنها بحرية واختيار من يرونه مناسباً دون ضغوط اجتماعية أو سياسية
إن احترام العشائر الحقيقي لا يتحقق بتحويلها إلى حصص سياسية وإنما بتقدير دورها الاجتماعي والاستماع إلى آرائها وإشراكها في جهود المصالحة وحل النزاعات والاستفادة من حكمتها وخبراتها في حماية المجتمع مع الحفاظ على استقلالية العمل السياسي وخضوعه لمعايير الكفاءة والمساءلة والاختيار الحر
وفي المقابل ينبغي ألا نسمح للأطراف السياسية باستغلال الاحترام الذي تحظى به العشائر اجتماعياً من أجل تكريس نفوذها أو احتكار التمثيل المحلي ، فالعلاقة بين العشائر والقوى السياسية يجب أن تقوم على التعاون لخدمة المجتمع لا على توظيف الروابط الاجتماعية في صراعات النفوذ والمصالح
إن هدفي ليس إضعاف العشائر أو إقصاءها بل حماية مكانتها الاجتماعية من أن تتحول إلى أداة للصراع السياسي وحماية المجتمع من أن يصبح أسيراً لمحاصصة جديدة يصعب التخلص منها مستقبلاً
نريد عشائر قوية بروابطها الاجتماعية ، فاعلة في المصالحة والتكافل وحل النزاعات ومتعاونة في حماية الاستقرار ، ونريد في الوقت نفسه حياة سياسية تقوم على التنافس الحر والبرامج الواقعية والكفاءة والنزاهة والمساءلة
نريد أن يكون التنافس بين المرشحين على من يستطيع تقديم الأفضل للمنطقة لا على من يمثل العشيرة الأكبر أو يمتلك النفوذ الأوسع وأن يكون معيار النجاح هو ما يقدمه المسؤول من خدمات وحلول لا مقدار ما يحصل عليه من دعم عشيرته أو الجهة السياسية التي تقف خلفه
فبناء المجتمع لا يتحقق بتوزيع أبنائه على حصص وانتماءات وإنما بإيجاد مساحة مشتركة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والفرص وأن مستقبل المنطقة مسؤولية جماعية لا امتيازاً خاصاً بعشيرة أو حزب أو جهة سياسية
في النهاية اكرر قولي : نعم لاحترام جميع العشائر وتقدير دورها الاجتماعي ودعم مبادراتها الإيجابية ونعم لمشاركة أبنائها في الحياة السياسية على قدم المساواة مع الجميع ، ولكن لا لتأسيس عُرف يجعل الانتماء العشائري أساساً للتمثيل السياسي ولا لتحويل العشائر إلى حصص تتنافس عليها القوى السياسية
فما نحتاج إليه في سنجار ليس محاصصة عشائرية جديدة تضاف إلى أزماتنا بل نموذج محلي يعزز الوحدة المجتمعية ويحترم التنوع ويمنح الكفاءات فرصتها العادلة ويجعل خدمة الإنسان والمجتمع المعيار الأول والأخير في تولي المسؤولية
من يمثل العشيرة الأكبر أو يمتلك النفوذ الأوسع وأن يكون معيار النجاح هو ما يقدمه المسؤول من خدمات وحلول لا مقدار ما يحصل عليه من دعم عشيرته أو الجهة السياسية التي تقف خلفه
فبناء المجتمع لا يتحقق بتوزيع أبنائه على حصص وانتماءات وإنما بإيجاد مساحة مشتركة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والفرص وأن مستقبل المنطقة مسؤولية جماعية لا امتيازاً خاصاً بعشيرة أو حزب أو جهة سياسية
في النهاية اكرر قولي : نعم لاحترام جميع العشائر وتقدير دورها الاجتماعي ودعم مبادراتها الإيجابية ونعم لمشاركة أبنائها في الحياة السياسية على قدم المساواة مع الجميع ، ولكن لا لتأسيس عُرف يجعل الانتماء العشائري أساساً للتمثيل السياسي ولا لتحويل العشائر إلى حصص تتنافس عليها القوى السياسية
فما نحتاج إليه في سنجار ليس محاصصة عشائرية جديدة تضاف إلى أزماتنا بل نموذج محلي يعزز الوحدة المجتمعية ويحترم التنوع ويمنح الكفاءات فرصتها العادلة ويجعل خدمة الإنسان والمجتمع المعيار الأول والأخير في تولي المسؤولية


