اراء

التغيرات الدينية: جماعية شرف الدين أنموذجًا

دلدار شنكالي 

في عصر التكنولوجيا والتطور، لا بد للمجتمعات أن تتفاعل مع هذا الكم الهائل من التطور اليومي حول العالم. وبهذا أصبحت الأديان، في بعض المجتمعات، تمثل ترابطًا رمزيًا يربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض، بينما أخذ الطابع الديني المرتبط بما يفوق قدرات الطبيعة جانبًا آخر نحو التراجع وعدم التصديق.

وفي بعض المجتمعات، كما يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، يؤدي الدين دورًا مهمًا في ترابط أفراد المجتمع وتعزيز التضامن بينهم. ومن جانب آخر، أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى العلاقة بين بعض القيم الدينية والعمل والنشاط الاقتصادي، موضحًا أن بعض القيم الدينية، ولا سيما في الأخلاق البروتستانتية، شجعت على العمل والانضباط وأسهمت في تطور روح الرأسمالية.

أما في الإيزيدية، فلا يزال المجتمع مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالدين، وأي تطور أو خطوة نحو التغيير في الديانة الإيزيدية تواجه معارضة شديدة، بحيث تموت هذه الخطوة قبل عبورها بضعة أمتار من مكان إقرارها، وذلك بسبب وجود معارضة قوية داخل المجتمع الإيزيدي، سواء من الجيل القديم أو الحالي.

وفلسفة الديانة الإيزيدية مرتبطة بالطبيعة، وعوائقها أمام الأفراد والمجتمع أبسط بكثير مقارنة بالأديان المحيطة بالإيزيديين في مناطق وجودهم، وخاصة في العراق. لذلك، فإن الديانة الإيزيدية لا تعارض تطور الأفراد والمجتمع، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو التكنولوجي أو في أي علم آخر، بل على العكس من ذلك، فهي تشجع على التطور، باعتبارها فلسفة تربط الأفراد بعضهم ببعض من خلال بعض القوانين الطبيعية والاجتماعية أيضًا، ومنها الدبكات الشعبية والموسيقى في الجماعية نموذجًا. وهكذا يرتبط الأفراد بعضهم ببعض برابط اجتماعي أكثر مما هو ديني خارق لقوانين الطبيعة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض القوانين الدينية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عادات الإيزيديين وتقاليدهم، والتي يمارسها المجتمع منذ آلاف السنين دون أي تغيير، بحسب نظرة المجتمع. لكن هذا لا يعني أن الحياة الدينية للإيزيديين متشابهة تمامًا، كما لا يعني أن تطبيق هذه المراسيم يتشابه فعليًا وبنسبة مئة بالمئة في جميع المناطق التي يوجد فيها الإيزيديون.

فمثلًا، يدفن إيزيديو أرمينيا موتاهم بطرق مختلفة، ولديهم مراسم لتعزية الموتى تختلف عما يحدث في شنگال وولات الشيخ. ولدى إيزيديي بعشيقة أيضًا بعض العادات التي تختلف عن شنگال، والعكس صحيح.

ومع ذلك، هناك قوانين ومراسيم ثابتة تربط هذا المجتمع بعضه ببعض، مثل الأعياد والمراسيم الدينية، كعيد رأس السنة الإيزيدية، وعيد الجماعية، وعيد الصوم الإيزيدي. ناهيك عن وجود طبقة الفقير في الديانة الإيزيدية، التي لم تصل إلى الآن إلى اندماج كامل مع بقية الإيزيديين في ممارسة بعض طقوسها الدينية. كما أن الاختلاف حول قانون الحساب والتقويم الشرقي قائم بين الإيزيديين منذ زمن طويل.

كل هذه الاختلافات والأعراف والمشتركات بين الإيزيديين لم تصل إلى حل جذري، بسبب وجود معارضة شديدة بين طبقات المجتمع الإيزيدي، وبذلك أصبح الوصول إلى ثوابت متفق عليها بينهم أمرًا أشبه بالمستحيل.

لكن هذا لا يعني أن الإيزيديين لا يتبعون طريقًا واحدًا. بل على العكس، فلسفة الديانة الإيزيدية هي فلسفة روحية مرتبطة بالطبيعة، ولا تخرق قوانينها، بالإضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية التي بُنيت على أساس ديني ودنيوي، والتي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض رغم اختلافاتهم. وبسبب ثبات هذه الجذور، أصبحت التغييرات في الديانة الإيزيدية أمرًا أشبه بالمستحيل.

لكن لو نظرنا إلى جماعية شرف الدين، التي كانت تصادف في الأصل بداية شهر أغسطس من كل عام، نجد أنها تحولت، بعد جرائم الإبادة الجماعية التي حلّت بالإيزيديين عام 2014، واحترامًا لهذه الذكرى الأليمة، إلى بداية شهر سبتمبر.

وهذا يعني أن الإيزيديين قاموا بتغيير تاريخ جماعية مزار ديني مقدس دون أي مساس بقدسية هذا المزار. بل على العكس من ذلك، يشارك الإيزيديون في هذه الجماعية بكثرة، وذلك بعد تحويلها إلى شهر سبتمبر، حيث يكون شهر أغسطس، بما يحمله من حزن وذكرى الإبادة الجماعية، قد انتهى.

وهذا يعني أن التغييرات واردة في أي ديانة، ومنها الإيزيدية، وأن بعض التغييرات يجب أن تكون سهلة وسلسة، ليس بسبب الإبادات الجماعية فحسب، بل لمواكبة التطور والعولمة اللذين يشهدهما العالم بشكل يومي. فالمجتمعات تتغير، وبعض العادات والتقاليد الدينية والدنيوية تنتهي أو تتغير باختلاف الزمن والأجيال.

وبهذا، يجب أن تكون الديانة الإيزيدية أيضًا مستعدة لبعض التغييرات التي من شأنها أن تقوي المجتمع الإيزيدي وتجعله يواكب التطور، كما حدث في ديانات أخرى واكبت التطور وأجرت تغييرات في منظوماتها.

وفي المقابل، هناك ديانات ومجتمعات رفضت مواكبة هذا التطور، فبقي بعض أتباعها في مجتمعات نائية أو تابعة للمجتمعات الأكثر تطورًا، بسبب رفض التغيير الديني في ظل العولمة وظهور أجيال جديدة تؤمن بأن العلم فوق كل شيء.

إذن، على المجتمع الإيزيدي أن يكون أكثر وعيًا في التعامل مع هذه التغيرات التي تواجه المجتمعات. ولحسن حظ الإيزيديين، فإن معظم القوانين الإيزيدية لا تمنع تطورهم، وهذا شيء جيد يمكن البناء عليه في التعامل مع متغيرات العصر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هوية المجتمع وجذوره الدينية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى