هل الوطن خائن أم نحن؟

دلدار شنكالي
مع وصول القوات الأمريكية إلى العراق وإنهاء نظام صدام حسين، أصبحت الفرصة متاحة أكثر للإيزيديين لإثبات وجودهم في هذا الوطن الذي عاشوا فيه منذ آلاف السنين، من دون أن يكون لهم صوت أو سلطة حقيقية.
فالإيزيديون أُهملوا على مر السنين وعبر التاريخ في العراق، الذي كان ممرًا آمنًا لخطابات الكراهية والطائفية والعنصرية بين أبناء مكوناته. فتارةً كانوا يتقبلون بعضهم بعضًا خوفًا من السلطة، وتارةً يقتلون بعضهم بعضًا حينما تضعف السلطة. وهنا تظهر هشاشة مفهوم المواطنة بين أبناء الشعب أنفسهم؛ فعندما يخاف الناس من السلطة يحترم بعضهم بعضًا، وعندما تضعف السلطة يقتل بعضهم بعضًا.
لكن في العراق الجديد بعد عام 2003، أصبحت الفرصة متاحة للكثير من الأقليات العراقية للمشاركة في السلطة، وخاصة الإيزيديين. إلا أن غياب أي أساس أو خطة سياسية لوضع حجر الأساس لكتلة إيزيدية تشارك في السلطة العراقية بصورة مستقلة، بعيدًا عن أي مسميات أخرى، جعل الإيزيديين فريسة سهلة للأحزاب الكردية وسيطرتها على مناطقهم.
إن سيطرة الأحزاب الكردية على مناطق الإيزيديين، ومن أهمها جبل شنكال، حولت تسمية المنطقة إلى منطقة كردية، بعيدًا عن التسمية الإيزيدية. وهكذا أصبح صوت الأقلية الإيزيدية في العراق مندمجًا في الصوت السياسي الكردي، الذي ذهب، منذ بداية وصول الأمريكيين إلى بغداد، للمشاركة في بناء العراق الجديد. وهنا اختفى صوت الشعب الإيزيدي بين الكرد.
هذا لا يعني أن الإيزيديين لم يشاركوا في العملية السياسية، بل على العكس، كانت مناطق الإيزيديين تشارك بقوة في الانتخابات. لكنهم كانوا يصوتون لصالح مرشحين يشاركون في الانتخابات مع الأحزاب الكردية، ولذلك ضاعت أصواتهم، وأصبح الإيزيديون كردًا بلا صوت سياسي مستقل.
وأصبحت مصالح أربيل ودهوك أكثر أهمية من مصالح شنكال، حتى بدت شنكال في ظل كردستان كالابنة اليتيمة؛ تُنسب إليها حين تقتضي المصالح ذلك، لكنها لا تحظى بما تحظى به بقية مناطقها من اهتمام وحقوق.
كان جميع ممثلي شنكال يمثلون مصالح الكرد قبل مصالح الإيزيديين، ولذلك أُهملت العلاقة مع بغداد، وفي المقابل لم تمنح بغداد الإيزيديين حقوقًا تُذكر.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل السياسيون الإيزيديون خانوا شنكال والوطن عندما ذهبوا مع الكرد إلى بغداد؟ أم إن الوطن هو الذي خانهم، وترك مصالحهم بيد سلطات إقليم كردستان، واعتبر الإيزيديين جزءًا منه؟
كل هذا لا يعني أنه لم يكن للإيزيديين صوت. فالحركة الإيزيدية وحزب التقدم الإيزيدي شاركا بقوة في الانتخابات، لكن تلك الأصوات بقيت أصواتًا يتيمة، والمرشح اليتيم الذي لا سند له أصبح، في نظر الكرد والإيزيديين المؤيدين لهم، مخربًا.
وأصبحت المطالبة بإثبات الهوية الإيزيدية في الدستور العراقي تُصوَّر على أنها خطر على الهوية القومية الكردية وعلى الأمن القومي في إقليم كردستان. ولذلك حُورب مقعد الكوتا الإيزيدية من قِبل مرشحين من شنكال وإيزيديين شاركوا في السلطة على حساب الأحزاب الكردية، فوقفوا بقوة ضد هذا المقعد اليتيم.
وهكذا ضاع صوت الإيزيديين في العراق الجديد خلال سنوات حكم المالكي. وكلما ذُكرت أسماء الطوائف والقوميات في العراق، كان اسم الإيزيديين يغيب أو يضعف حضوره.
وفرض الحزب الديمقراطي الكردستاني، بالتعاون مع الإيزيديين الذين كانوا معه، الهوية الكردية على الإيزيديين، وأصبحت شنكال تُعامل باعتبارها جزءًا من كردستان. فبينما طالبت كردستان بحقوقها وشهدت مناطق كثيرة فيها ازدهارًا وتحسنًا في مستوى الحياة، بقيت شنكال تُستخدم في الصفقات السياسية لا أكثر.
أما ميزانية شنكال، فأين كانت تذهب؟ لا أحد يعلم. والمشاريع التي كانت تصل إليها كانت محدودة جدًا مقارنةً باحتياجات المدينة واستحقاقاتها.
ترك العراق الجديد شنكال تحت حماية القوات الكردية، لكن الأحداث التي شهدتها مناطق تل عزير وسيبا شيخدر كشفت هشاشة هذه الحماية. ومع تدهور الوضع الأمني، أصبحت المنطقة بأكملها تحت نفوذ الأحزاب الكردية، ليس أمنيًا فحسب، بل إداريًا أيضًا.
وتحولت مؤسسات الدولة في شنكال إلى ساحة نفوذ للحزب الديمقراطي الكردستاني. وأي إيزيدي كان يرفض هذا النهج ويطالب بهويته الدينية والقومية كان يُسمى خائنًا من قِبل الإيزيديين المؤيدين للأحزاب الكردية قبل الكرد أنفسهم.
لذلك أصبحت المطالبة بالهوية القومية الإيزيدية تُعامل وكأنها وصمة عار على جبين من يطالب بها.
واستخدم الحزب الديمقراطي الكردستاني أموالًا طائلة وإمكانات كبيرة في شنكال لجمع أكبر عدد ممكن من المؤيدين، من خلال تعيينهم ضمن قوات البيشمركة والكوادر الحزبية والإدارية في المنطقة. وهكذا أُسكتت أفواه الكثير من الإيزيديين، وأصبحت أحلامهم وطموحاتهم مرتبطة بكردستان. هذا ما كان يحدث في شنكال.
أما في بغداد، فكان ممثلو الإيزيديين من شنكال المنتمون إلى الحزب أو المدعومون منه يعملون، وفق توجهات الحزب الديمقراطي الكردستاني، بعيدًا عن المصالح المباشرة لشنكال. ولذلك أُهملت العلاقة مع بغداد، وكأن شنكال وقضية الإيزيديين قد غابتا عنها.
إلى أن جاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
عندها تُركت مناطق الإيزيديين من جديد، وانسحبت قوات البيشمركة من مناطقهم، تاركة الإيزيديين أمام هجوم داعش والكارثة التي أعقبته.
وهنا يعود السؤال نفسه، وربما بصورة أقسى من السابق:
هل الوطن خائن أم نحن؟
هل كنا نرسل إلى بغداد ممثلين يعملون ضد مصالحنا، أو يضعون مصالح الأحزاب التي ينتمون إليها قبل مصالح شعبهم؟
أم أن الوطن فعلًا أهملنا عن قصد، وتركنا فريسة لصراعات القوى والأحزاب، وسلّم مصيرنا للآخرين؟
هل خان الوطن الإيزيديين، أم أننا، حين لم نبنِ صوتًا سياسيًا إيزيديًا مستقلًا، ساهمنا في خيانة قضيتنا بأنفسنا؟



