اراء
“عوائل الرعاع وسيناريو التوطين داخل الموصل”

شهاب الصفار
حزيران الأسود:
لم تسيطر الجماعات المسـ..لحة على مدينة الموصل عام 2014 بل إنها استخدمت العاشر من حزيران الأسود من السنة ذاتها إعلاناً رسمياً لحكمها محافظة نينوى عسكرياً وإدارياً، كونها كانت تتمتع بصلاحياتها الكاملة إبان فترة الحكم السري للمدينة ولأكثر من 9 سنوات متعاقبة تنقلت بين مُسميات وتشكيلات مختلفة والهدف كان حكم الموصل إيد..يولوجياً بقوة السـ..لاح وقوانين القلم كونها كانت تمتلك هيكلاً إدارياً متكاملاً بدءاً من أصغر مناصر لها وصولاً إلى المحاكم الخاصة شبه العلنية الموزعة بين جانبي المدينة.
علاقة المواطن برجل الأمن:
المواطن الموصلي في حينها عاش مرعوباً، لأنه مطالب بالامتثال إلى قرارات الحكومة المركزية والقوات الأمنية بـ..مواجهة ومقـ..اومة التنظيمات المتـ..طرفة أو تقديم معلومات عن نشاطاتهم داخل المدينة، وأوامر تلك التنظيمات بوجوب مساعدتهم للاعتـ..داء على القوات الأمنية آنذاك، لكن الكثيرين في حينها اختاروا مساعدة القوات الأمنية في جهودها لمقـ..ارعة تلك العناصر في المدينة، ليُصدم الأغلبية بحقيقة أن القيادي في هذه الجماعات يتم الإفراج عنه بعد اعتقاله ليعود منتقماً من الأفراد الذين ساهموا بعملية الاعتقال أو تقديم أي معلومات عنه إلى القوات الأمنية، وتدور عجلة العـ..نف من جديد مما سبب شرخاً واسعاً بين المواطن ورجل الأمن للأسف.
مما سبق نتبيّن أن تلك العصـ..ابات كانت تبسط سيطرتها على الموصل آنذاك مستخدمة شتى الأساليب لتثبيت دعائم حكمها وتقوية نفوذها على الأهالي داخل المدينة، ومن بين تلك الدعائم والأساليب ما يعرف أو ما يسمى آنذاك بـ “عوائل المـ..سلحين”.
دور عوائل التنظيم داخل الموصل:
مارست عوائل وزوجات عناصر التنظيمات المتـ..طرفة سلطتها ونفوذها على باقي عوائل المواطنين داخل الموصل، فهي تعتبر الرابط المطاطي بين العناصر والمتـ..طرفين وبين الأهالي في المدينة وتعمل على نقل وتحديث المعلومات والبيانات وتزويد أبنائها بتحديثات الأوضاع وما يجري داخل جدران وأزقة وأحياء المدينة كأسلوب من أساليب الجهد الاستخباري الذي كانت تمتلكه تلك الجماعات آنذاك.
مصائد المغفلين:
فضلاً عن الدور الخطير الذي لعبته تلك النساء والعوائل عن طريق إقامة علاقات مشبوهـ..ة مع البعض من الأهداف المراد اصطيادها داخل الموصل والتي كانت تسمى حينها بالطرائد ليتم اصطيادها بعد التمكن منها، وخسرنا للأسف بسبب هذا الأسلوب المئات من الشباب داخل المدينة.
نساء الدواوين:
كما أن ما يعرف بالمحاكم الخاصة التي انتشرت للفترة من 2004 ولغاية 2014 داخل المدينة أي قبل الإعلان الرسمي للسيطرة العسكرية والإدارية على الموصل، كانت تحوي بين تشكيلاتها قسماً تابعاً للنساء ضمن ما يعرف بديوان المظالم تقوده البعض من زوجات العناصر بعد تخرجهن من الدورات الفقهية والقضائية، لتسند إليهن مهمة إصدار بعض الأحكام وتطبيق العقـ..وبات على نساء المدينة.
كما ولا يخفى على القارئ كيف أن نساء التنظيم استفدن من حرية حركتهُن داخل المدينة لتنفيذ البعض من العمليات كزراعة الأجـ..سام الغريبة أو نقل وتوزيع الأحـ..زمة أو توزيع الرواتب “الكفالات” بين العناصر وعوائلهم فضلاً عن اختيار البعض منهن لتنفيذ عمليات مباشرة ضد المواطنين والقوات الأمنية.
نساء الحسبة:
بعد أن أعلن التنظيم رسمياً سيطرته على الموصل، برز الدور الأهم لعوائل العناصر بتقمصهم دور الناصح بالترغيب للعوائل الموصلية البسيطة بغية دفعها للالتزام بالأحكام التي تصدرها دواوين التنظيم، ودور المنتقم بالترهيب وإنزال العقـ..وبات على المخالفات لتلك القرارات من النسوة داخل المدينة، لأن التنظيم اعتمد بصورة مباشرة على زوجات العناصر “المحليات أو المهاجرات” كأساس لإدارة بعض الشعب داخل ديوان الحسبة أو الدعوة والمساجد أو المظالم قبل تشكيل ما يعرف بكتيبة “الخنساء” إحدى التشكيلات الميدانية التي تتكون من حوالي 1000 امرأة مدربة على القـ..تال وتكتيكات حرب العصـ..ابات، لتختفي تلك الكتيبة بعد تحرير المدينة دون معلومات جديدة عنها أو عن وجهتها.
الهجرة والتهجير:
الجزء الأكبر من هذه العوائل اختارت ترك الموصل والتوجه إلى سوريا بالتزامن مع اقتراب عمليات التحرير خوفاً من العمليات الانتقامية التي قد تبدر من أهالي المدينة بعد أن أذاقوهم شتى أنواع العذاب لتستقر في بعض المدن والقصبات السورية التي كانت تحت سيطرة التنظيم آنذاك، والجزء الآخر منهم اختار البقاء داخل الموصل بصحبة أبنائهم مع تغيير عناوينهم وانتشارهم المدروس بدقة بين جانبي المدينة لتضليل الأهالي أو رجال الأمن.
مخيّم الهول السوري:
أُنشئ مخيّم الهول من قبل المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع الحكومة السوريّة إبّان حرب الخليج الثانيّة عام 1991، بغية استقبال آلاف اللاجئين العراقيين الفارّين من الحرب، يبعد 40 كم شرقي مركز محافظة الحسكة والذي أغلق أكثر من مرة إلى أن تمّ افتتاحه مجدّداً عام 2016 استقبالاً لعوائل وأهالي عناصر تنظيم “د١عـ..ـش” الفارين من العراق وبعض المدن السورية، وفي أواخر عام 2017 بلغ عدد قاطني المخيّم 20 ألفاً، ومع هزيمة التنظيم بدأ المخيم باستيعاب الوافدين الجدد وعوائل عناصر التنظيم ليبلغ العدد الإجمالي قرابة 74 ألفاً في بدايات عام 2019.
وبحسب آخر إحصائية قبل عام ونصف فكان يقطن المخيم 61 ألف شخص، بينهم 16,784 أسرة، وتنقسم هذه الأسر إلى 8277 أسرة عراقية، و5906 أسرة سورية، و2565 أسرة لعناصر أجانب، في حين تشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود ما لا يقل عن 40 ألف طفل في المخيم من جنسيات مختلفة، كما يأوي المخيم مواطنين من 57 دولة غالبيتهم الساحقة من تلك العائلات.
مخيم الجدعة:
الحكومة العراقية وبالتعاون مع الجهات القائمة على مخيم الهول “الإدارة الذاتية”، نقلت ما يزيد على 1500 عائلة من عوائل التنظيم موزعين على 25 دفعة منذ مطلع عام 2021، إلى مخيم الجدعة الذي يبعد حوالي 20كم عن مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، والمخيم يحوي بداخله مركزاً للتأهيل النفسي والمجتمعي تحت إشراف وزارة الهجرة والمهجرين العراقية وبجهد دولي مثل منظمة الهجرة الدولية ومنظمة اليونسيف ويتولى إعادة تأهيل عوائل تلك العناصر لدمجهم داخل المدن التي ينحدرون منها من جديد، والتي رفضت فيما بعد استقبالهم باستثناء الموصل.
خطوات إعادة توطين عوائل عناصر التنظيم داخل الموصل من جديد، حظيّت بالترحيب من قبل الأهالي داخل المدينة عملاً بمبدأ “عفا الله عما سلف” كما شاركت شريحة واسعة من ناشطي المدينة بعمليات وورش إعادة دمج هذه العوائل داخل المجتمع مستفيدين من المنح المالية التي تقدمها بعض الدول الأوروبية لبناء نموذج تتقارب به تلك العوائل مع أبناء المدينة متناسين بذلك ما صنعته والشرخ الذي سيتولد نتيجة تسكينهم بالقرب من عوائل الضحايا في المدينة.
ان غض النظر عن الخطر المحدق بالمدينة نتيجة تمدد وانتشار تلك العوائل والعلاقات المشبوهة مع بعض المتنفذين عواقبها وخيمة على الجميع فهم الظهير الاول لابنائهم وترسانة المعلومات التي يعتمدها الرعاع لرسم اي خطة مستقبلية لضرب الأمن داخل المدن



