اراء

سنجار لا تطلب الصبر.. بل العدالة والإنصاف

سلام هسكاني 

بعد اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية، لا يزال 1616 إيزيدياً في عداد المخطوفين والمفقودين، فيما بلغ عدد الشهداء 1512، وعدد الناجين والناجيات 4131، في وقت لا تزال فيه سنجار تنتظر معرفة مصير المخطوفين، العدالة، وإعادة الإعمار، وعودة الدولة إلى أداء مسؤولياتها.

قال رئيس الجمهورية العراقية نزار آميدي إن حل قضية سنجار يحتاج إلى حكمة وصبر، لكن هذا التصريح يفرض سؤالاً مشروعاً: كم بقي من الصبر لدى مدينة دفعت الثمن الأكبر في الحرب ضد تنظيم داعش؟ وهل أصبحت مطالبة الضحايا بالصبر بديلاً عن مطالبة مؤسسات الدولة بالوفاء بمسؤولياتها الدستورية والقانونية؟

في الثالث من آب/أغسطس 2014، سقط قضاء سنجار بيد تنظيم داعش الإرهابي، لتتعرض الديانة الإيزيدية إلى إبادة جماعية اعترفت بها الأمم المتحدة وعدد من الدول والبرلمانات حول العالم. وخلال الأيام الأولى من الهجوم، تم قتل آلاف الإيزيديين الأبرياء على ايدي تنظيم داعش الارهابي، واختُطف أكثر من ستة آلاف شخص، بينهم نساء وفتيات وأطفال ومسنون، فيما تعرضت آلاف النساء الإيزيديات للاغتصاب والسبي والبيع في أسواق النخاسة، وخضع الأطفال المختطفون لعمليات غسل دماغ وتجنيد قسري بهدف اقتلاع هويتهم وتحويلهم إلى أدوات بيد التنظيم الإرهابي.

ولا تقتصر المطالبة بإنصاف الضحايا على الجانب الإنساني فحسب، بل تستند أيضاً إلى التزامات دستورية وقانونية واضحة. فقد نص دستور جمهورية العراق لعام 2005 في المادة (14) على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، فيما أكدت المادة (15) حق كل فرد في الحياة والأمن والحرية، ونصت المادة (16) على تكافؤ الفرص لجميع العراقيين، وأوجبت المادة (30) على الدولة توفير مقومات العيش الكريم والضمان الاجتماعي، كما كفلت المادة (44) حرية التنقل والسكن، وهي حقوق لا تزال آلاف العائلات الإيزيدية عاجزة عن التمتع بها بصورة كاملة بسبب استمرار النزوح وغياب مقومات العودة.

ولم يقتصر استهداف داعش على الإنسان، بل امتد إلى التراث الديني والثقافي للإيزيديين. ففي مقابلة صحفية أجريتها مع رجل الدين الإيزيدي مام فاخر خدر، أكد أن تنظيم داعش فجّر 11 مزاراً دينياً إيزيدياً في سنجار وحدها، فضلاً عن المزارات التي دمرها في المناطق الإيزيدية الأخرى، في إطار سياسة ممنهجة استهدفت محو الهوية الدينية والثقافية للإيزيديين.

وأضاف مام فاخر أن ما يدعو للأسف هو أن دور الحكومة في إعادة تأهيل المزارات والأماكن الدينية الإيزيدية كان مخجلاً جداً مقارنة بما قدمته منظمات المجتمع المدني والتبرعات التي قدمها الخيرون من أبناء الديانة الإيزيدية، مشيراً إلى أن عدداً من المزارات لا يزال حتى اليوم بانتظار إعادة تأهيله، من بينها مزار عبد القادر ومزار عبد العزيز، رغم مرور اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية.

ورغم مرور اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية، لا يزال هذا الملف مفتوحاً. وخلال مقابلة صحفية أجريتها مع الباحث في الشأن الإيزيدي الأستاذ إبراهيم تمري، أوضح أن عدد شهداء الإبادة الجماعية بلغ 1512 شهيداً، فيما بلغ مجموع الناجين والناجيات 4131، ولا يزال 1616 شخصاً بين مفقود ومختطف حتى اليوم، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً في تاريخ العراق الحديث، الأمر الذي يعكس استمرار معاناة آلاف العائلات التي تنتظر معرفة مصير أبنائها وإنصاف ضحاياها دون تحرك حكومي جاد

كما أن قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 جاء ليؤكد مسؤولية الدولة في إنصاف ضحايا جرائم تنظيم داعش، من خلال توفير التعويضات والرعاية وإعادة التأهيل وجبر الضرر، بما يجعل إنصاف الضحايا التزاماً قانونياً واجب التنفيذ، وليس مجرد واجب أخلاقي.

وتحررت سنجار بالكامل في عام 2017 من تنظيم داعش، لكن التحرير العسكري لم يتبعه تحرير إداري أو خدمي. فمنذ ذلك العام، تواصل الإدارة المحلية عملها من داخل إقليم كردستان، على بعد نحو ساعتين من مركز القضاء، ما يضطر المواطن إلى قضاء أربع ساعات أو أكثر لإنجاز معاملة بسيطة لا تتطلب سوى توقيع أو ختم رسمي. فأي منطق إداري يقبل بأن تبقى إدارة قضاء خارج حدود القضاء الذي تمثله طوال هذه السنوات؟

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فعندما قررت الحكومة العراقية قبل أكثر من عام إجراء تغييرات إدارية في عدد من الأقضية والنواحي، شملت القرارات تعيين قائمقام جديد لسنجار ومدير لناحية سنوني، إلا أن تلك القرارات بقيت حبراً على ورق، ولم يباشر المسؤولون الجدد أعمالهم حتى اليوم، لتبقى سنجار رهينة التجاذبات السياسية، فيما يدفع المواطن وحده ثمن هذا التعطيل.

أما على صعيد الخدمات، فالصورة أكثر قسوة. فبعد أكثر من تسع سنوات على تحرير القضاء بالكامل، لا تزال مناطق واسعة تفتقر إلى المياه الصالحة للشرب، والكهرباء المستقرة، والطرق المعبدة، والمستشفيات، والمؤسسات الحكومية، والمدارس، وفرص العمل، وهي خدمات كان يفترض أن تكون قد أُنجزت منذ سنوات، لا أن تبقى مطلباً يومياً لسكان مدينة دفعت هذا الثمن الباهظ.

و صورة المعاناة لا تكتمل دون الحديث عن النزوح والهجرة. فمنذ الثالث من آب/أغسطس 2014، نزح مئات الآلاف من أبناء سنجار إلى إقليم كردستان وهجر آلاف الايزيديين خارج العراق بحثا عن السلام والحقوق، وبعد مرور اثني عشر عاماً، لا يزال آلاف الإيزيديين يعيشون في المخيمات أو في مناطق النزوح، ليس خوفاً من داعش، بل لأن الدولة لم تهيئ حتى الآن البيئة المناسبة لعودتهم، فلا تزال الخدمات الأساسية غائبة في كثير من المناطق، وفرص العمل محدودة، والبنية التحتية مدمرة، والإدارة غير مستقرة، الأمر الذي جعل العودة الكريمة حلماً مؤجلاً لآلاف الأسر.

والمشهد يزداد مرارة مع استمرار تأخر صرف التعويضات وجبر الضرر. فمنذ اثني عشر عاماً، لم يحصل عدد كبير من العائدين أو النازحين على التعويضات التي تمكنهم من إعادة بناء حياتهم. آلاف المنازل دمرت أو أحرقت أو فجرت خلال اجتياح داعش، ولا تزال عائلات كثيرة عاجزة عن إعادة إعمار منازلها بسبب غياب التعويضات. فكيف يطلب من النازح العودة، وهو لا يجد بيتاً يأويه، ولا خدمات تؤمن له حياة كريمة، ولا دعماً يعينه على البدء من جديد؟

أقولها بكل وضوح وصراحة إن التعويض وجبر الضرر ليسا امتيازاً تمنحه الدولة متى شاءت، بل استحقاقاً أخلاقياً ووطنياً وقانونياً لضحايا الإبادة والإرهاب. وقد أكدت المادة (132) من دستور جمهورية العراق التزام الدولة برعاية ذوي الشهداء والمتضررين من الممارسات التعسفية وتعويضهم، كما عزز قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 هذا الالتزام من خلال النص على التعويض وإعادة التأهيل وجبر الضرر. واستمرار تأخير هذا الملف طوال أكثر من عقد لم يطل أمد النزوح فحسب، بل عمق شعور الضحايا بأن معاناتهم لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه.

وفي ظل كل هذه الوقائع، يصبح الحديث عن الحاجة إلى مزيد من الصبر أمراً يصعب تقبله. فأهالي سنجار صبروا على الإبادة، وصبروا على النزوح، وصبروا على فقدان أحبائهم، وصبروا على انتظار المختطفين، وصبروا على غياب الخدمات، وصبروا على الوعود التي لم تنفذ. ولا يمكن أن يتحول الصبر إلى سياسة لإدارة الأزمات، ولا إلى ذريعة لتأجيل الحلول.

قد لا تكون السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، لكن ذلك لا يعفيه من مسؤوليته الدستورية والوطنية. فبحسب المادة (67) من دستور جمهورية العراق، فإن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، ويمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه. ومن هذا الموقع، يُنتظر منه أن يكون صوتاً للضحايا، وأن يضع قضية سنجار في صدارة أولويات الخطاب الوطني، وأن يستخدم مكانته الدستورية والسياسية للدفع نحو تنفيذ القرارات المعطلة، ومطالبة الجهات التنفيذية بمحاسبة المقصرين، لا أن يكتفي بالدعوة إلى مزيد من الصبر.

لا انكر أن رئيس الجمهورية لا يدير الوزارات ولا ينفذ المشاريع، لكنه يمتلك سلطة الموقف، وتأثير الكلمة، وثقل الموقع الدستوري. وعندما تستمر معاناة مدينة تعرضت لإبادة جماعية طوال اثني عشر عاماً، فإن الصمت أو الاكتفاء بعبارات عامة لا ينسجم مع حجم المسؤولية الوطنية، فالمناصب العليا لا تقاس بصلاحياتها القانونية فقط، بل أيضاً بقدرتها على الدفاع عن حقوق المواطنين وتحريك الإرادة السياسية في القضايا المصيرية.

اؤكد إن سنجار لا تحتاج اليوم إلى المزيد من الحكمة، لأن أهلها قدموا من الحكمة والصبر ما يكفي لأكثر من عقد، وما تحتاجه حقاً هو إرادة سياسية وطنية تخرج هذا الملف من دائرة التصريحات إلى دائرة التنفيذ، وتعيد الإدارة إلى داخل القضاء، وتسرع إعادة الإعمار، وتنهي ملف المختطفين، وتطلق التعويضات وجبر الضرر، وتوفر الخدمات الأساسية، وتهيئ عودة كريمة وآمنة لجميع النازحين.

اليوم لم يعد أهل سنجار يطالبون بالمستحيل، ولا يبحثون عن امتيازات خاصة، إنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة: الأمن، والإدارة، والخدمات، والعدالة، والتعويض، وكشف مصير المختطفين، وإعادة إعمار مدينتهم. وبعد اثني عشر عاماً من الإبادة الجماعية، لم يعد الوقت يحتمل المزيد من التصريحات، ولا المزيد من الوعود، ولا المزيد من الدعوات إلى الصبر، فالقرار الذي تأخر اثني عشر عاماً هو وحده القادر على إعادة الثقة بالدولة، وإنصاف مدينة دفع أهلها ثمناً لا يزال العراق مديناً لهم بالعدالة وجبر الضرر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى