اراء

الفساد المالي اخيراً

فيصل العبدي 

عندما يذكر الفساد يتبادر إلى أذهان معظم الناس أنه يقتصر على سرقة المال العام أو الرشوة أو الاختلاس لكن هذه الصورة على أهميتها لا تمثل سوى الجزء الظاهر من المشكلة فالفساد المالي ليس إلا النتيجة الأخيرة لمسار طويل يبدأ قبل ذلك بسنوات وربما بعقود داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسة والمجتمع

ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لمكافحة الفساد ينبغي أن ينظر إليه بوصفه منظومة مترابطة لا مجرد جرائم مالية منفصلة
ويمكن فهم هذه المنظومة من خلال ثلاثة مستويات رئيسية تتفاعل فيما بينها بحيث يغذي كل مستوى الآخر حتى ينتهي الأمر بفساد مالي يستنزف الدولة والمجتمع

أولاً: الفساد البنيوي (الأخلاقي والاجتماعي والسلوكي)

يعد هذا المستوى أخطر أشكال الفساد لأنه لا يتعلق بالمؤسسات بقدر ما يتعلق بالإنسان نفسه فهو الذي يصنع الموظف والقاضي والطبيب والمعلم والسياسي ورجل الأعمال
وليس المقصود بالفساد الأخلاقي أن المجتمع فقد أخلاقه بالكامل وإنما المقصود هو تراجع منظومة القيم العامة مثل احترام القانون والصدق والأمانة والإحساس بالمسؤولية وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية

ولعل أبسط مثال على ذلك ما نشاهده يومياً في الطرقات يلتقي سائقان عند تقاطع أو دوار ومن الطبيعي أن يمنح أحدهما الآخر بضع ثوانٍ للمرور وفق قواعد السير أو بروح التعاون ، فيصل الاثنان بسلام لكن عندما يصر كل طرف على أنه الأحق بالمرور ويرفض التنازل يتحول الموقف إلى ازدحام أو حادث يتضرر فيه الجميع

قد يبدو هذا سلوكاً بسيطاً لكنه يعكس ثقافة أعمق فاحترام الدور في الطريق لا يختلف في جوهره عن احترام الدور في الوظيفة أو في القضاء أو في الانتخابات أو في الحصول على الفرص العامة
وعندما تغلب الأنانية على احترام النظام يصبح خرق القانون سلوكاً اعتيادياً لا يشعر صاحبه بأنه ارتكب خطأ

ومن المهم هنا التأكيد على أن تراجع القيم ليس السبب الوحيد للفساد فالدراسات تشير إلى أن الفساد ينشأ من تفاعل عدة عوامل منها ضعف المؤسسات وغياب العدالة والفقر وسوء الإدارة وضعف التعليم إلى جانب الثقافة المجتمعية
غير أن الفساد البنيوي يبقى البيئة التي تسمح لهذه العوامل جميعاً بالنمو والاستمرار

ثانياً: الفساد المؤسسي (الإداري والتنظيمي)

ليس كل فساد إداري فساداً مالياً

فقد تعين مؤسسة حكومية مهندساً للإشراف على مشاريع إسكانية رغم افتقاره إلى الكفاءة لمجرد أنه حصل على المنصب بالمحسوبية أو الوساطة هنا قد لا تُسرق أموال مباشرة لكن المؤسسة أصبحت أقل قدرة على أداء وظيفتها وستظهر آثار ذلك لاحقاً في تعثر المشاريع وانخفاض الجودة وهدر الموارد

إن الوظيفة التي تمنح لغير مستحقها لا تظلم الأكفأ فحسب بل تفسد المؤسسة بأكملها ، ولذلك فإن الفساد الإداري غالباً ما يسبق الفساد المالي لأنه يخلق بيئة تنتج الفساد بصورة مستمرة

ومن هنا فإن مكافحة الفساد لا تعني فقط ملاحقة المختلسين بل تعني أيضاً بناء مؤسسات تعتمد الكفاءة والشفافية وتخضع للمساءلة وتقل فيها السلطة التقديرية التي تفتح الباب للمحاباة والوساطة

ثالثاً: الفساد القطاعي (التعليم والصحة والخدمات العامة)

تحتل قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة موقعاً بالغ الأهمية لأنها تمس حياة المواطن مباشرة ولأنها تسهم في صناعة الإنسان الذي سيدير الدولة مستقبلاً

فقد يقضي الطبيب سنوات طويلة في الدراسة والتدريب ثم يستغل بعض الأطباء ( ولا يعني ذلك التعميم) مكانتهم المهنية لعقد تفاهمات مع شركات أدوية أو صيدليات مقابل مزايا خاصة فيتحول المريض من إنسان يحتاج إلى العلاج إلى وسيلة لتحقيق الربح

وينطبق الأمر ذاته على التعليم فعندما يتخرج الطلبة من دون امتلاك الكفاءة الحقيقية ثم يصبحون معلمين أو مهندسين أو إداريين فإن الخلل ينتقل من قاعة الدرس إلى مؤسسات الدولة بأكملها ويتحول ضعف التعليم إلى فساد مؤسسي واقتصادي في المستقبل

لماذا يصعب القضاء على الفساد؟

تكمن صعوبة مكافحة الفساد في أن الفساد المالي هو الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة ، فالفساد الأخلاقي لا يعالج بحملات إعلامية مؤقتة وإنما يحتاج إلى سنوات من التربية وغرس القيم

والفساد الاجتماعي ليس قراراً حكومياً يمكن إلغاؤه بمرسوم بل هو ثقافة تراكمت عبر أجيال حتى أصبحت بعض السلوكيات الخاطئة مقبولة اجتماعياً

أما الفساد السلوكي فهو الأخطر لأنه يتحول إلى عادة يومية فيصبح الالتزام بالقانون مدعاة للسخرية بينما ينظر إلى من يتحايل على الأنظمة بوصفه شخصاً ذكياً أو يعرف كيف يدبر أموره

وهكذا لا يكاد يمر يوم إلا ونمارس شكلاً من أشكال الفساد بقصد أو بغير قصد من تجاوز الدور إلى الواسطة إلى الغش إلى استغلال النفوذ وهي ممارسات قد تبدو صغيرة لكنها تشكل البنية التي ينمو فوقها الفساد الأكبر

كيف يمكن معالجة الفساد البنيوي؟

إذا كانت المشكلة تراكمت عبر عقود فمن الطبيعي ألا تحل خلال أشهر او بملاحقة بعض الفاسدين بصولة حكومية ، لان الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد يقوم على عدة محاور متكاملة

أولها إصلاح التربية والتعليم بحيث تتحول قيم النزاهة واحترام القانون والمواطنة والعمل الجماعي إلى سلوك يمارس داخل المدرسة لا مجرد نصوص في المناهج

وثانيها ترسيخ مبدأ القدوة فلا يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون إذا كان يرى المسؤول أول من يخالفه ولا يمكن مطالبة الطالب بالنزاهة إذا كان يشاهد الغش أو المحسوبية داخل المؤسسة التعليمية

وثالثها إعادة بناء ثقافة المجتمع بحيث يصبح احترام القانون مدعاة للفخر لا دليلاً على السذاجة ويصبح التحايل على الأنظمة سلوكاً معيباً اجتماعياً لا سبباً للإعجاب

أما المحور الرابع فيتمثل في بناء مؤسسات قوية تطبق القانون على الجميع دون استثناء لأن العدالة الانتقائية تضعف ثقة المواطن بالدولة وتدفعه إلى البحث عن وسائل غير قانونية للحصول على حقوقه

ويأتي بعد ذلك التحول إلى الحكومة الإلكترونية والحد من التعاملات الورقية وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع لأن التجارب الدولية أثبتت أن الرقمنة من أكثر الوسائل فاعلية في الحد من الفساد الإداري

كما ينبغي أن يشارك الإعلام والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني في بناء ثقافة النزاهة عبر إبراز النماذج الإيجابية وتعزيز قيمة الأمانة واحترام المال العام بدلاً من الاكتفاء بإدانة الفساد بعد وقوعه

ماذا يحتاج العراق؟

إن المجتمع العراقي لا يفتقر إلى القوانين وحدها بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة ويعزز مفهوم المواطنة ويصلح التعليم ويضمن تكافؤ الفرص ويرسخ استقلال القضاء ويعيد الاعتبار للكفاءة في التعيين والترقية والترفيع ويستثمر في الحكومة الإلكترونية ويشرك الشباب في برامج الخدمة المجتمعية والعمل التطوعي ويحول النزاهة من شعار إلى ثقافة يومية

فالفساد في العراق ليس نتاج فرد فاسد فقط بل هو حصيلة تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية ولذلك فإن معالجته تتطلب إصلاحاً متدرجاً تشترك فيه الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني

وإن الفساد لا يبدأ عندما تسرق الأموال بل يبدأ عندما يفقد الإنسان احترامه للقيم ثم ينتقل إلى المؤسسة عندما تهمش الكفاءة وينتهي بهدر المال العام وتعطيل التنمية

ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست مهمة الأجهزة الرقابية وحدها بل هي مشروع حضاري طويل الأمد يبدأ ببناء الإنسان لأن الإنسان هو الذي يصنع المؤسسة والمؤسسة هي التي تصنع الدولة فإذا صلحت القاعدة الأخلاقية والثقافية أصبحت حالات الفساد المالي استثناءً يحاسب عليه القانون لا ثقافة يتكيف معها المجتمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى