
سرمد سليم
كنا نجلس على مقاعد مصنوعة من حيرة قديمة، أصغي إليه كمن يصغي إلى كتاب مقدس أحرقت حواشيه، وحين أنهى هذا الأخرس حكايته الطويلة والمليئة بالغبار والفرمانات، طقطق أصابعه، فسمعت صوت انهيار التاريخ بأكمله.
بين جرح وآخر، كانت ترتجف تلك الأصابع النحيلة كما لو أنها تبحث عن مخرج طوارئ من مغارة الوجود، أو تجر نفسا من هواء أزمنة لم تصل بعد.
صحيح أنه لم يتذوق طعم الكلمة فوق لسانه قط، ولكنه، يا چنار، المخلوق الوحيد في هذه البلاد الذي يستطيع الإمساك بجسد الكلمة دون أن يقتلها.
أنا أتحدث عن الكلمات الخشنة التي تولد من اصطدام الأحجار بالدم، أما الكلمات اللطيفة والمعسولة، كلمات الأيديولوجيا والوعود الشائهة، فتنزلق من بين أصابعه كما ينزلق الماء الرديء عن جسد تمثال أثري.
هذا الأخرس، يا چنار، يا سرنا المكتوم خلف غبار الجبل، هو صديقي، وهو أيضا لا يلفظ حرف الراء.
ففي آب من عام 2014، حين كنا معروضين كبضاعة رخيصة تحت ظلال الشظايا والنصال، خسر أحد أصابعه السبعة، وخسر معها الجزء الذي يربطه بأبجدية البشر.
هذا الكائن المهجور، يعيش صمته العظيم وكأنه في عبور أبدي لشارع تسكنه أشباح الضحايا، ودائما عندما أتحدث معه عنك، لا يحرك يديه أبدا، فلقد عرفت هذا الرجل وقورا وممتلئا بالأسى، لا يقاطع نحيب الغرباء.
صديقي الأخرس هذا، يا چنار، حاول ذات مرة أن يكتب في الهواء كلمة “فجيعة”، وكانت تلك المرة الأولى التي يضطر فيها مخلوق أخرس لاستخدام قدمه المتربة ليعبر عن عمق الهاوية.
إثر تلك الحركة الصادمة، سقطت عن كرسي، سقطت عن وهم التوازن، وأنا على الأرض، رأيت امرأة ترتدي ثوب الحداد الأزلي، تمسك بقايا رسالة أكلتها النار، وقلما من قصب الوديان الميتة.
إن رسائل العشاق وبطاقات الهوية التي تدخل حقول الألغام في هذه الأرض، تخرج منها ممزقة مثل لعبة الكلمات المتقاطعة التي فقدت مفاتيحها.
هكذا هم أهلنا يا چنار… هكذا هم الضحايا دائما، تخرج أجسادهم من طاحونة التاريخ ولها أكثر من ظل: ظل يبحث عن أهله في مخيمات الغياب، وظل يطير كالدخان فوق شنكال، وظل ثالث يهاجر في قوارب الموت نحو بلاد لا تعرف طعم حزننا.
عدت وجلست ثانية على كرسي المثقوب، رأيت صديقا قديما أعادوه من جبهات النسيان، كان بجسد مكتمل وقدمين سليمتين.
يا للمأساة… أنا أتحدث هنا عن النصف الممتلئ من التابوت.
الآن، وبعد كل هذه الألغام، وكل هذه الخيانات الجغرافية، كيف يمكنني أن أقنع هذا الكرسي الذي يجمعنا الآن، بأن لا تتحول أرجله الخشبية إلى عجلات لكرسي متحرك، وأن لا يفر بنا نحو التيه، تاركا إيانا بلا أرض تثبت أقدام ذهولنا


