قصص صحفية

طبيب كوجو: الشاهد الحافي على الإبادة والخيانة

قصة علي صالح قاسم طبيب العشيرة في كوجو

ملف خاص – ايزيدي 24 

بقلم توماس شميدينغر: مؤرخ نمساوي، دكتوراه في العلوم السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة فيينا. النمسا.

الترجمة إلى الإنكليزية: مايكل شيفمان.

الترجمه إلى العربية: ميلينا عيسى.

…………………………………

كان لإبادة الإيزيديين وقع ثقيل على قلب الإنسانية، كما كل المجازر الوحشية التي تأتي لتفتك بالبشري وكأنه لا يستحق الحياة. وهنا شهادات من أشخاص عاشوا الأزمة ونجوا ليقصّوا هول ما حدث.

في15آب بين الساعة العاشرة والحادية عشرة صباحاً، كنت في منزلي أعطي أحد الصِبية حبة دواء، إذ إنني كنت طبيب العشيرة. عندئذ، شاهدت ما بين 15 و20 سيارة تابعة لداعش تدخل القرية؛ وكانت جميعها سوداء. اقتربت إحداها من منزلي وتوقفت أمام بابي. قلت لأم الصبي: “أعتقد أنهم قادمون لقتلنا”. لكنها ردت: “لا، لن يقتلونا”. وبعد نصف ساعة ذهبوا إلى منزل الشيخ أحمد جاسو وأعلموه أنه على الرجال والنساء الحضور إلى المدرسة خلال نصف ساعة، ولا يُسمح لهم إلا بأخذ أموالهم وهواتفهم المحمولة وبعض الأشياء الصغيرة معهم. وهكذا ذهبنا جميعاً إلى المدرسة. تم نقل النساء والأطفال إلى الطابق الأول، والرجال إلى الطابق الأرضي. وقف أبو حمزة أمام أحمد جاسو شيخ المنديكان وقال: “أعطنا كل مال قومك!”. وهكذا جمعنا كل أموالنا وسلمناها للأمير. بعد خمس دقائق قال: “أعطونا جميع هواتفكم المحمولة!” فأعطيناه هواتفنا المحمولة. وبعد خمس دقائق أخرى قال: “أعطوني ذهبكم!”. فأمرنا أحمد جاسو أن نفعل. بعد ذلك قال أبو حمزة بالعربية (لأنه كان يتحدث إلينا بالعربية): “لقد أخبرتكم ونصحتكم بأن تصبحوا مسلمين، لكنكم لم تفعلوا ذلك، ولكم الحرية في عدم فعل ذلك”. فأجبناه: “أوه، نشكرك على هذا، وبارك الله فيك”. ثم قال إن كل من اعتنق الإسلام منّا لن يلحق به أي أذى، وسيكون محمياً داخل حدود الدولة الإسلامية.

لم نتفوه بأي كلمة بل التزمنا الصمت، فنحن لسنا بمسلمين ونريد أن نبقى إيزيديين. وتذكرنا كيف أنه قبل أربعة أيام قد وعدنا أبو حمزة بنقلنا إلى الجبل، لكن الآن طلب منا الخروج من المبنى. في البداية، تم اصطحاب ما بين عشرين إلى ثلاثين شخصاً إلى الخارج، وتكويمهم في شاحنة صغيرة من طراز كيا. كان هؤلاء جميعهم رجالاً مسنين ومرضى. واحد منهم واسمه رافو موكري، يبلغ من العمر خمسة وثمانين عاماً، قال لمقاتلي داعش: “إننا 30 شخصاً، وما من مساحة كافية لنا في هذه الشاحنة الصغيرة!” لكن مقاتلي داعش قالوا: “اخرس واصعد إلى السيارة!”. أراد ابني الصغير أن يأتي معي، لكنهم طلبوا منه العودة إلى أمه.

توقفوا عند منزل خارج كوجو، وكانوا بالمجمل ثلاث سيارات، ثم طلبوا منا النزول. رجل عمره أكثر من 80 عاماً واجه صعوبة في القيام بذلك. طردونا من السيارة. وعندما ذهبنا إلى المنزل رأينا فيه أربعة من مقاتلي داعش مع أسلحتهم. وبعد بضع دقائق التقط أحد الرجال صوراً لنا جميعاً. رجل بجواري قال: إنهم يلتقطون صوراً لنا، وسيقتلوننا بعد ذلك”. صاح مقاتلو داعش:” أسرعوا، أسرعوا في الرتل!”. وكان أحدهم يصرخ طوال الوقت: “الله أكبر! الله أكبر!”. ومن ثم بدأوا في إطلاق النار علينا. لم يبقَ أحد منا واقفاً، لقد قتلونا جميعاً. كنت الوحيد الذي أصيب في الركبة اليسرى فقط. سقطت على الأرض، لكنني لم أمت.

ارتميت على الأرض تحت الأشخاص القتلى، لكنني لم أتحرك. بقيت هادئاً تماماً وتظاهرت بالموت. أردتهم أن يعتقدوا بأنني ميت. وبعد بضع دقائق، ذهبوا إلى سيارة أخرى وأطلقوا النار على الأشخاص من تلك السيارة.

بعد عدم سماعي لأي حركة لمدة نصف ساعة، زحفت قاصداً بيت ابن عمي نايف جاسو الذي كان في دهوك ساعة وصول داعش. وهناك التقيت رافال عمو، خضر حسن أحمد، إدريس باشو سيلو، جيكو عمو سيلو، وقاسم هفتو-كنا جميعاً في منزل نايف. بعد نصف ساعة، أدركنا أنه ليس لدينا ماء وكنا بحاجة له، لذلك ذهب أربعة منّا إلى القرية العربية (بيسكي جنوبي)، حيث حصلنا على الماء. كان جاسم عبدالله أحد رجال هذه القرية، صديقاً لي. وكان قبل وصول داعش يتردد على منزلي كثيراً، وقد اعتاد أن يأكل معنا وينام في قريتنا. فعندما رآنا اتصل بنايف جاسو الذي كان في دهوك، على هاتفه المحمول، وقال له: “ابن عمك صالح قاسم جاسو موجود هنا”. لكنه قال لي إنه يجب أن نذهب: “إذا قبض عليك داعش فسيقتلوننا أيضاً، لذا أرجوك، ابتعد من هنا!” فأجبته: “حسناً، إننا مغادرون”. انتقلنا من مكان إلى آخر، لكن لم يكن أي منهم آمناً. وفي النهاية، اختبأنا في حقلٍ بطريقة كانت رؤوسنا فقط هي البارزة. بعد غروب الشمس، في السابعة مساءً، وبعد أن حل الظلام، ذهبنا باتجاه الجبل.

عندما وصلنا شرقي قرية همدان بين منتصف الليل والواحدة صباحاً، بدأت كلاب القرية بالنباح وركضت باتجاهنا. انتبه مقاتلو داعش، ومرة أخرى كان علينا أن نتصرف وكأن لا أحد هناك. ثم واصلنا السير إلى (كلي رمي) حيث شربنا الماء. كما قدموا لنا الطعام وواصلنا السير باتجاه شيل ميرا، وهناك وصلنا إلى حزب العمال الكردستاني، فقدموا لنا الطعام والماء والشاي، وأيضاً الرعاية الطبية، ثم نقلونا بسيارة إلى مشفى ديريك في سوريا، وهناك مكثنا لمدة ليلة. وفي 18آب|أغسطس، قلت إنني أريد العودة إلى دهوك في كردستان، إلى مشفى آخر، وهكذا أعادوني إلى كردستان.

ثلاثة من أبنائي؛ صالح وبسمان وحسن، وزوجتي ساهو عيسى، قُتلوا على يد تنظيم داعش. كما قُتلت أيضاً أمي وأختي وإخوتي الخمسة. وحدث الشيء نفسه لأبناء أخي الثلاثة. واحد فقط من أبنائي، أياس، صعد إلى الجبل قبل يومين أو ثلاثة من قتل داعش للجميع. وكان ابني الآخر، دلشاد، في تركيا عندما وصل تنظيم داعش إلى هنا. أراد دلشاد الذهاب إلى ألمانيا، وبذلك تمكن من النجاة في تركيا. واختطف داعش اثنتين من بناتي. والآن، بعد إطلاق سراحهما، هما أيضاً في ألمانيا.

لم يعد أحد منا إلى كوجو؛ فجميع الناجين ذهبوا إمّا إلى ألمانيا أو أستراليا. أنا أيضاً وضعت نفسي في قائمة أولئك الذين يريدون الذهاب إلى أستراليا. لم يعد بإمكاني العيش هنا تحت أي ظرف بجانب جميع القتلة الذين قتلوا أطفالي وزوجتي. فبعد كل شيء، العديد من القتلة من هنا؛ كانوا جيراننا العرب. عندما أتى أبو حمزة إلى هنا في اليوم الأول، كان برفقته رجلان من القرية المجاورة، أشخاص أعرفهم منذ وقتٍ طويل؛ اسم أحدهما خلف العيد، واسم الآخر أبو خالد. هما لم يصابا بمكروه، ولا أريد أن أصطدم معهما طيلة الوقت، لا، لم يعد بإمكاني العيش هنا. لقد عدت هنا إلى كوجو فقط لأنني أردت زيارة قريتي مرة أخيرة قبل أن أذهب إلى أستراليا. لن يعود أحد إلى هذا المكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى