نصف لتر من الماء

فيصل العبدي
المشهد الذي ما زال يقتلني بعد اثني عشر عاماً ،ليست كل الجراح تلتئم ، فبعضها يواصل النزيف بصمت مهما مرت السنوات
ومن بين آلاف المشاهد التي عشتها خلال الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في آب/أغسطس 2014 يبقى هذا المشهد الأكثر قسوة والأشد حضوراً في ذاكرتي حتى اليوم
كنا ثلاث عائلات ، عائلتنا ، وعائلة عمي ، وعائلة عمتي ، يقارب عددنا ستين شخصاً بين أطفال ونساء وشيوخ احتمينا بكهوف جبل شنكال اثني عشر يوماً متتالياً معزولين عن العالم لا نرى أحداً ولا يعلم أحد إن كنا ما زلنا أحياء
في اليوم الثالث لم يكن يغيب عن ذهني ابن شقيقي الصغير الذي افترق عنا في الساعات الأولى من الإبادة إذ فر مع عائلة خالته
كانت والدته تعيش انهياراً كاملاً لا تعرف إن كان طفلها ما زال على قيد الحياة أم أصبح واحداً من آلاف المفقودين الذين ابتلعتهم تلك الأيام السوداء
وبينما كنت أفكر به وصلتني استغاثة من صديق طفولتي يخبرني أن عائلته في الجهة الشمالية من الجبل تكاد تموت جوعاً
في تلك اللحظة اتخذت قراراً لم أخبر به أحداً سوى ابنة عمي لأنني كنت أعلم أن الجميع سيرفض خروجي طلبت منها أن تحضر كيساً صغيراً تضع فيه ما تيسر من اللبن وبعض الخضار فقد كانت عائلة عمي تملك قطيعاً من الماعز ، وهذا كل ما استطعنا توفيره
خرجت أحمل على ظهري ذلك الكيس الصغير وفي خصري مسدسي الذي لم يفارقني منذ اليوم الأول للإبادة ، حتى أثناء النوم كنت أحتفظ به لأننا كنا نعيش على احتمال الموت في كل لحظة
كان هدفي مزدوجاً ؛ أن أبحث عن ابن شقيقي وأعيده إلى أمه وأن أوصل الطعام إلى عائلة صديقي
وصلت إلى منطقة “ بيرا خا ” مع اقتراب غروب الشمس وبدأت أبحث بين آلاف الناجين عن عائلة صديقي، لكنني لم أعثر عليهم ، وفجأة التقيت بشقيق زوجة أخي وهو أيضاً صديق طفولتي
قال لي:
لا تكمل الطريق اليوم ابقَ الليلة معنا وغداً واصل البحث
ثم ابتسم وقال:
هل تعلم أن ابن شقيقك معنا هنا ؟
توقفت لثوان وكأن الزمن توقف
اختلطت في داخلي مشاعر الفرح والوجع وما إن اقتربنا من مكانهم حتى ركض الطفل نحوي بكل ما بقي لديه من قوة وارتمى في حضني وكأنه عاد إلى الحياة من جديد
بتنا تلك الليلة معهم ، لكنها كانت ليلة بلا نوم ، كانت الطائرات تحلق فوق رؤوسنا، فيما كانت أصوات الاشتباكات بين مقاومي الجبل وعناصر تنظيم داعش الإرهابي تتردد في أرجاء المكان ، وكأن الجبل كله يقاتل من أجل البقاء
مع أول خيط للفجر حملت الطفل معي وعدت أبحث عن عائلة صديقي ، في تلك الأيام لم تكن هناك هواتف ولا شبكات اتصال ولا وسيلة لمعرفة أماكن الناس ، كان العثور على شخص أشبه بمعجزة
مشينا ساعات طويلة بين الصخور والوديان ، لكننا لم نجدهم ، عندها قررت العودة
بدأ القلق ينهشني وخشيت أن يكون مكروه قد أصاب عائلتي بسبب غيابي وكنت ألوم نفسي لأنني غادرتهم لإنقاذ عائلة أخرى دون أن أخبرهم خوفاً من أن يمنعوني
حملت الطفل على ظهري وسلكنا طريق العودة نحو الجهة الجنوبية من الجبل ، في الطريق مررنا بأشجار التين ، قطفت له بعض الثمار
راح يأكلها بشراهة وكأنه يحاول أن يعوض أياماً طويلة من الجوع
لكنني كنت قد نسيت ما أخبرني به خاله…
أن الطفل لم يتناول الطعام منذ أيام لأنه كان يعيش صدمة الفراق والخوف عليكم ، زاد التين عطشه بصورة مخيفة
صار يشرب الماء باستمرار ، حتى تشققت شفتاه والتَهبتا من شدة الجفاف ، ولم يبق معنا سوى أقل من نصف لتر من الماء …قنينة صغيرة من ماء الراشي
وفي منتصف الطريق ، رأيت رجلاً مسناً وزوجته ، كانا في السبعينيات من عمرهما ، يجلسان بين الصخور وقد أنهكهما العطش والتعب حتى بدا الموت أقرب إليهما من الحياة
توقفت …
ودار في داخلي صراع لن أنساه ما حييت ، إذا أعطيتهما الماء، فقد أعرّض هذا الطفل للخطر ، وإذا تجاوزتهما فكيف سأعيش بقية عمري وأنا أعلم أنني تركت إنسانين يحتضران عطشاً ؟
اقتربت منهما
كبرياء الرجل منعه من طلب المساعدة ، لكن زوجته نظرت إلي بعينين أنهكهما الألم وقالت بصوت مرتجف:
“ يا ولدي ،،، هل لديكم قليل من الماء ؟
زوجي على وشك أن يموت من العطش
خفضت رأسي وأجبتها بصوت يكاد يختنق:
“ نعم يا أمي … لدينا ماء … لكنه قليل جداً … وأخشى ألا يكفي هذا الطفل حتى يصل إلى بر الأمان ، رفع الرجل رأسه بصعوبة وقال كلمات ما زالت تمزق روحي حتى هذه اللحظة
اذهب يا بني … وليكن الله معكم … هذا الطفل أولى بالماء من رجل عجوز مثلي … لقد اقترب أجلي
كانت كلماته كالرصاص لم أحتملها
قلت له:
والله … لن أغادر قبل أن نتقاسم هذا الماء
رفض.
أقسمت عليه مرة أخرى
وأخيراً أخذت المرأة القنينة ، وهنا بدأ أكثر مشهد حطم روحي ، لم تشرب كما يشرب العطاشى ، فتحت غطاء القنينة قليلاً ، وسكبت قليلاً من الماء في فم زوجها ، ثم ارتشفت هي القليل ، ثم أغلقتها من جديد
كانت تخشى أن تستهلك ماء طفل لا تعرف حتى اسمه
وقفت أمامهما عاجزاً ، لا أستطيع أن أعطيهما كل الماء فيموت الطفل ، ولا أستطيع أن أحرمهما منه فأتركهما للموت
كانت تلك الدقائق أثقل من العمر كله ، جلست معهما دقائق قليلة وتحدثنا
ومن حديثهما أدركت أنهما لم يعودا ينتظران النجاة ، كانا يتحدثان عن الموت بهدوء المؤمنين بقضاء الله
أما أنا …
فكنت أحبس دموعي بصعوبة وأشعر أن شيئاً في داخلي ينكسر إلى الأبد ، ودعتهما وتركتهما في أمان الله وأمان الجبل
ثم عدت إلى عائلتي والطفل على ظهري ، وكان كيس الطعام الذي خرجت من أجله لا يزال معي
أما عائلة صديقي التي خرجت أبحث عنها ، فلم أعثر عليها إلا بعد ثلاثة اشهر في مدينة زاخو
وأما ذلك الشيخ وزوجته ، فلا أعلم إن كانا وصلا إلى بر الأمان ، أم أن جبل شنكال احتضنهما إلى الأبد
لكنني أعلم يقيناً أن الإنسان قد ينسى آلاف الوجوه ، لكنه لا ينسى أبداً اليوم الذي اضطر فيه إلى أن يقسم أقل من نصف لتر من الماء بين طفلٍ يتشبث بالحياة وشيخٍ كان يودعها بصبر المؤمنين
ذلك المشهد
لم يبقَ في جبل شنكال
لقد بقي يسكنني منذ اثني عشر عاماً وما زال يقتلني كلما تذكرت



