قراءة في نمط اجتماعي ومؤسساتي في القحطانية

حيدو مراد
في بعض المجتمعات، يُفترض أن يكون استقرار الوضع وغياب المشكلات مؤشراً إيجابياً على أن الأمور تسير بالشكل الصحيح. لكن في القحطانية، يمكن ملاحظة ظاهرة مختلفة تستحق التوقف عندها: عندما يبدو كل شيء على ما يرام، يبدأ البعض بالبحث عن المشكلة.
يمكن تشبيه ذلك ببيت توجد فيه عدة حنفيات. إذا كانت جميع الحنفيات تعمل بشكل طبيعي ولا يوجد تسرب للمياه، فالمنطق البسيط يقول إن نظام المياه في البيت يعمل بشكل جيد. لكن ماذا لو أصبح عدم وجود التسرب سبباً للشك؟ وماذا لو قيل: “أكيد هناك مشكلة، فقط لم نكتشفها بعد”؟
هذه الصورة المجازية يمكن أن تعكس جانباً من الواقع المجتمعي والمؤسساتي.
لكن ماذا لو أصبح عدم وجود التسرب سبباً للشك؟ وماذا لو قيل: “أكيد هناك مشكلة، فقط لم نكتشفها بعد”؟
فأحياناً، عندما لا تظهر مشكلة واضحة، أو عندما تسير الخدمات أو الأنشطة بشكل طبيعي، قد لا يُنظر إلى ذلك باعتباره نجاحاً يحتاج إلى المحافظة عليه وتطويره، وإنما باعتباره وضعاً مؤقتاً يخفي مشكلة قادمة.
كيف تظهر هذه الظاهرة؟
قد تظهر من خلال:
* تركيز المجتمع والجهات المعنية على المشكلات أكثر من التركيز على النجاحات.
* اعتبار التدخل والاستجابة للأزمة دليلاً على العمل، بينما لا يُنظر إلى الوقاية بالقدر نفسه.
* صعوبة الاعتراف بأن بعض الأمور تسير بشكل جيد.
* البحث المستمر عن سبب للتدخل حتى عندما لا تكون هناك حاجة واضحة.
* التعامل مع الاستقرار باعتباره أمراً طبيعياً ومضموناً، وليس نتيجة تحتاج إلى حماية واستثمار.
لماذا قد يحدث ذلك؟
قد يكون أحد الأسباب هو أن المجتمع والجهات والمؤسسات اعتادت لسنوات على التعامل مع الأزمات والمشكلات. ومع مرور الوقت، تصبح المشكلة هي المحرك الأساسي للعمل.
فعندما تظهر أزمة، تتحرك المؤسسات، وتتحرك الجهات المجتمعية، ويصبح هناك اهتمام وموارد وتواصل. أما عندما تكون الأمور مستقرة، فقد يقل الشعور بالحاجة إلى العمل.
وهنا تظهر المفارقة: نحن نتحرك عندما يحدث الخطأ، لكننا لا نتحرك دائماً بالقدر نفسه للحفاظ على ما هو صحيح.
ما الخطورة؟
الخطر ليس في البحث عن المشكلات بحد ذاته؛ فالمراقبة والمساءلة واكتشاف المشكلات أمور ضرورية.
المشكلة تبدأ عندما تصبح لدينا قناعة بأن كل وضع جيد لا بد أن يخفي مشكلة، أو عندما يصبح وجود المشكلة شرطاً للاهتمام والتدخل.
هذا قد يؤدي إلى تجاهل النجاحات الصغيرة، وعدم الاستثمار في التجارب الجيدة، وإضعاف الثقة بين المجتمع والجهات المعنية.
ما الذي نحتاج إليه؟
نحتاج إلى تغيير السؤال من: “أين المشكلة؟”
إلى: “ما الذي يعمل بشكل جيد؟ ولماذا يعمل؟ وكيف نحافظ عليه ونوسعه؟”
لا يعني ذلك تجاهل المشكلات، بل يعني تحقيق توازن بين اكتشاف المشكلات، ومنعها، والحفاظ على النجاحات.
فالمجتمع الصحي ليس المجتمع الذي لا توجد فيه مشكلات، وإنما المجتمع الذي يستطيع اكتشاف المشكلات مبكراً، والاستفادة من النجاحات، وبناء أنظمة تجعل الاستقرار قابلاً للاستمرار.
وربما حان الوقت لأن نتوقف أحياناً عن البحث عن “الحنفية التي تنقط”، وأن نسأل أيضاً:
لماذا لا تنقط الحنفيات الأخرى؟ وما الذي جعلها تعمل بشكل جيد ؟



